تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.
وكتبت" الشرق الاوسط":في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل
مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.
وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.
وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.
وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها
الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين
إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر أيّار وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.
ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.
أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
ولا يزال
لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.
ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.
ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرو اقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.
ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.
وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.
أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.
ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في
المستقبل.
وكتبت باتريسيا جلاد في" نداء الوطن": مع مرور الوقت، تتكرّس الإعترافات لدى جهات دولية مثل صندوق النقد الدولي، بعدما سبق وتكرّست في شهادات مؤسسات محلية، على رأسها أعلى هيئة قضائية إدارية، مجلس شورى الدولة، بأن الأزمة في لبنان ليست عادية بل أزمة نظامية. هذا التوصيف يفتح نقاشًا حول مسؤوليات الدولة في تحمّل جزء من الخسائر إلى جانب مصرف لبنان والمصارف التجارية، ضمن أي مسار لإعادة هيكلة القطاع المالي. فماذا ورد في أحدث دراسة نشرها صندوق النقد الدولي، وكيف يفسّر الاقتصاديون طبيعة هذه الأزمة وتداعياتها؟.
نشر صندوق النقد الدولي منذ أيام ورقة عمل تحت عنوان "قاعدة بيانات الأزمات المصرفية النظامية: 1970-2025"، حدّثت أوراق العمل السابقة حول الأزمات المصرفية (خلال عامَي 2013 و2020) حتى العام 2025.
ورقة العمل تلك تعرض دراسات أجراها باحثان هما لوك لايفن وفابيان فالنسيا، اعتبرت الأزمة نظامية في أي بلد يستوفي شرطين أساسيين:
1- وجود مؤشرات كبيرة على الضغوط المالية في القطاع المصرفي.
2- أن تؤدي هذه الضغوط إلى تدخلات كبيرة من ناحية السياسات المصرفية استجابةً للخسائر الكبيرة في النظام المصرفي.
أدرجت تلك الورقة لبنان على لائحة الأزمات المصرفية الجديدة منذ البحث الأخير في العام 2020 إلى جانب دول أخرى مثل أذربيجان وتشاد وغينيا الاستوائية، في حين صُنّفت الأزمة في سريلانكا ونيكاراغوا بغير النظامية.
هذا الاعتراف الوارد في الورقة والمنشورة في تقرير صندوق النقد الدولي حول الأزمات المصرفية في العالم، سبقته بالنسبة إلى لبنان تأكيدات من مصرف لبنان والمصارف التجارية أن الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان نظامية، ولا يختلف اثنان على ذلك. إلا أنها بقيت من قبل السلطة
اللبنانية، أي الدولة، غير معترف بها، وبقيت في مرحلة "شدّ الحبال" حول انطباقها على لبنان أو لا. وفي هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي والمالي نسيب غبريللـ"نداء الوطن": "إن السلطة السياسية تجنّبت استخدام عبارة 'نظامية' في مشروع قانون استرداد الودائع وأطلقت عليها تسمية أزمة شاملة".
الأزمة تكون نظامية، يقول غبريل، "عندما يتوقف نظام بأكمله عن العمل أو ينهار أو يُجمَّد، أو تحصل صدمات تؤثّر على عمل قطاع بكامله. فالصدمة تكون خارجية وتؤدي إلى شلل عمل هذا القطاع أو انهياره. وبوضع مثل لبنان، الصدمة فيه هي أزمة ثقة أدّت إلى أزمة سيولة. جذور أزمة الثقة تلك تعود إلى سوء إدارة القطاع العام والمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، وعدم تطبيق الحوكمةوالإدارة الرشيدة، وعزل لبنان عن محيطه العربي الطبيعي من خلال قرارات اتخذتها جهة معينة. وبالتالي فالأزمة ليست تقنية، وليست فوائد مرتفعة أو كلفة تثبيت سعر الصرف أو عمليات مالية بين مصرف لبنان والمصارف التجارية أو الدين العام المرتفع، فهذه بأكملها نتائج أزمة ثقة أدّت إلى أزمة سيولة".
إذا عدنا إلى السنوات الماضية يتبين لنا أن أزمة الثقة لم تولد فجأة في لبنان، فهي بدأت، يقول غبريل، "تظهر تدريجياً في بداية العام 2018 بشكل عملي من خلال شحّ السيولة بالعملات الأجنبية في الاقتصاد، وراحت تتوسّع تدريجياً إلى
أن وصلنا إلى تموز-آب 2019، فولدت السوق الموازية لسعر صرف الليرة اللبنانية للمرة الأولى منذ العام 1997، وهذا دليل على تراجع السيولة بشكل ملموس نتيجة تراجع تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان".
وانفجرت أزمة الثقة تلك عندما فقد المودعون ثقتهم بالدولة والمصارف، فهرعوا إلى البنوك بأعداد كبيرة لسحب أموالهم المدّخرة أو تحويلها إلى الخارج. في كل دول العالم، عندما يفقد المودعون ثقتهم ويسارعون معاً في وقت محدد لسحب ودائعهم، لا يمكن لأكبر مصرف في العالم أن يلبي حاجة كل زبائنه. فالسيولة، يقول غبريل، "لدى أي مصرف في العالم لا تتخطى نسبة 5 أو 6% من الودائع التي لديه، علماً أن حق المودع مرسّخ بالتصرف بوديعته بأي وقت وأي زمن. هذه العوامل بأكملها أدت إلى شحّ السيولة في القطاع المصرفي من خلال أزمة الثقة وعدم قدرة المودعين على التصرف بودائعهم".
دور الدولة في الأزمات
في ظل أزمة الثقة التي انفجرت منذ 6 سنوات ولا تزال، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في إدارة أزمة بهذا الحجم؟
في دراسة أعدّها ثلاثة باحثين اقتصاديين وأساتذة في العالم في تشرين الأول 2022 تتعلق بالأزمات المصرفية ومسببات الأزمات المصرفية، حصلوا على أساسها على جائزة نوبل للاقتصاد. في تلك الدراسة يقول الباحثون وهم Ben S. Bernanke (دراسة عن الكساد الكبير في 1930)، وDouglas W. Diamond، والباحث Philip H. Dybvig (الذين قدّموا نموذج Diamond-DybvigModel الذي يشرح لماذا المصارف هشّة وكيف يحصل الهجوم على المصارف لسحب الودائع المعروف بـbank run)، إنه يترتب على الدولة في أي بلد أن تلعب دوراً أساسياً في المحافظة على الاستقرار للحفاظ على الثقة التي تجعل القطاع المصرفي يؤدي عمله بشكل طبيعي، فتبقى ثقة الأسواق بالمصارف قائمة.
من هنا، إن تعزيز الثقة، يقول غبريل، "يبث الطمأنينة لدى المودع ولا يجعله يخشى التصرّف بوديعته عندما يرغب بذلك، الأمر الذي يجنّب عدداً كبيراً من المودعين الإقبال على المصارف والمطالبة بودائعهم".
وهذا الأمر لم تفعله الدولة اللبنانية. فبدلاً من تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، أفقدت الدولة اللبنانية المواطنين الثقة بها. فهي لم تنجح في إدارة الأزمة، إذ بدّدت نحو 11 مليار دولار (بين 2019 و2021) من احتياطي مصرف لبنان على دعم عشوائي وغير مدروس لم يستفد منه اللبنانيون وعلى الكهرباء... كما أنها لم تقرّ قانون "الكابيتال كونترول" لحماية المصارف، وتعثّرت عن تسديد سندات اليوروبوندز من دون التفاوض مع الدائنين.
وقبل الأزمة، أساءت الحكومة، يقول غبريل، إدارة القطاع العام وإدارة المؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، ولم تطبّق الحوكمةولم تعتمد الإدارة الرشيدة في مؤسساتها العامة، ولم تحترم مبدأ فصل السلطات واستقلالية
القضاء والمهل الدستورية. فارتفعت النفقات العامة بنسبة 165% بين العامين 2011 و2019 من دون إقرار موازنة. وفضلاً عن ذلك، تمّ توظيف 31 ألف شخص في القطاع العام معظمهم ليس لديهم عمل فعلي، عدا عن تفويت فرص مُنحت للبنان من الخارج مثل مؤتمر "سيدر".
السلطة السياسية، كما هو متعارف ومعمول به في كل دول العالم، لا تستطيع التصرّف وكأنها كانت تجلس على شواطئ "كوباكابانا" في البرازيل عندما قرأت في الصحف في تشرين الأول 2019 خبر عنوانه "أزمة اقتصادية غامضة تضرب بلد بعيد اسمه لبنان". هكذا تصرفت السلطة قبل الأزمة وبعدها حين أساءت إدارة الأزمة.
أما اليوم، وبعد اعتراف صندوق النقد في دراسة نشرها لباحثين بأن الأزمة في لبنان نظامية، ألا يصبح تحمّل الدولة جزءاً من الخسائر أمراً لا مفرّ منه ومدرجاً ضمن آلية سدّ الفجوة المالية لإعادة أموال المودعين؟ هي التي بدّدت وأهدرت واستدانت وأفقرت اللبنانيين وأطبقت على الطبقة المتوسطة.