يستعد الوفد اللبناني لجولة جديدة من المفاوضات السياسية في واشنطن يومي الثلاثاء والأربعاء، وسط معلومات تفيد بأن الاجتماع العسكري الذي عُقد في البنتاغون قدّم مؤشراً عملياً أولياً على طبيعة التوجه
الإسرائيلي في مسار التفاوض.
وذكرت «الأخبار» أن التقرير الأولي الذي أُعدّ حول الاجتماع العسكري أشار إلى أنه «لم يتم التوصل إلى أي اتفاق على أي من البنود أو النقاط المطروحة»، في البحث الذي شمل عدداً من العناصر التقنية. وبحسب المعطيات، أصرّ الوفد
اللبناني على اعتبار وقف إطلاق النار وجدولة الانسحاب من الأراضي المحتلة شرطين أساسيين لأي ترتيبات أمنية، مؤكداً أن
لبنان لا يمكن أن يقبل بإبقاء الأمور على ما كانت عليه سابقاً من دون تحديد واضح للإجراءات والخطوات التنفيذية. وشهدت الجلسات نقاشات «تركزت على ما وصفه الجانب اللبناني بضرورة ضبط المصطلحات المتعلقة بتصنيف مختلف أنواع الأعمال العسكرية، بما يمنع أي ثغرات قد تسمح للعدو بتأويل المواقف أو استغلالها لتنفيذ اعتداءات إضافية ضد لبنان».
وتناول البحث أيضاً ملف الخروقات، حيث عرض الوفد اللبناني لوائح مفصلة تتضمن مختلف الانتهاكات التي ارتكبها جيش الاحتلال، إضافة إلى بيانات تشير إلى ارتفاع عدد الشهداء المدنيين بشكل كبير، بما يفوق مختلف التقديرات، وإلى استهداف طيف واسع من الأهداف المدنية، بما في ذلك مؤسسات حكومية وبلدية، فضلاً عن إعلاميين ومسعفين.
وبعد تسريب الوفد الإسرائيلي إلى وسائل إعلام العدو أن الاجتماع شهد توتراً بين الطرفين، علّق مصدر عسكري لبناني بالقول: «يبدو أن الوفد الإسرائيلي كان يتوقع منا تقديم تنازلات أو القبول بتصوراته ومواقفه». وأكّد أن الوفد اللبناني «لم يناقش أي بند ذي طابع سياسي مباشر».
اضافت " الاخبار": تبدّى خلال اليومين الماضيين أن شدّ الحبال المستمر بين
الولايات المتحدة وإيران، وتأخر الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب، يرتبطان بصورة وثيقة بالملف اللبناني. ورغم أن للرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبارات داخلية خاصة، فإن إصرار
إيران على ربط وقف الحرب على لبنان بوقف الحرب عليها فرض معادلة لا تبدو واشنطن مستعدة لقبولها، أو أنها غير قادرة على فرضها على
إسرائيل.
وبحسب مصادر دبلوماسية معنية، فقد احتدم النقاش عندما أبلغت طهران الوسيطين الباكستاني والقطري أن إدراج جبهة لبنان ضمن اتفاق وقف الحرب ليس ورقة تفاوضية قابلة للمقايضة، بل شرط موازٍ لشرط رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وسحب القوات الأميركية من الخليج. وقد استحوذ هذا الطرح على حيز واسع من النقاش بين الوسطاء، قبل أن يُبلّغ المعنيون مساء الثلاثاء الماضي بوجود موافقة أميركية مبدئية على الاتفاق، مع طلب مهلة إضافية، تبيّن لاحقاً أنها لإعادة التشاور مع إسرائيل بشأن الخطوة التالية.
وتضيف المصادر أن الرئيس ترامب، الذي منح قائد الجيش الباكستاني موافقة أولية، كان يعتزم إرسال المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى تل أبيب للقاء رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وقيادات الجيش، بهدف بحث التفاصيل. إلا أنه عدل عن هذه الخطوة لاحقاً، إثر اتصالات بينه وبين نتنياهو، الذي عرض حجم الأزمة الداخلية التي يواجهها داخل ائتلافه الحكومي وقاعدته الشعبية، نتيجة فشل الحرب مع
إيران، وقدرة
حزب الله على التكيف وتوجيه ضربات متواصلة لقوات الاحتلال في الجنوب، إلى جانب استمراره في استهداف المستوطنات الشمالية، سواء عبر الصواريخ أو بالمحلقات الانقضاضية التي دفعت جيش الاحتلال إلى إخلاء مواقعه ليس داخل الأراضي
اللبنانية المحتلة بل في المستوطنات أيضاً.
وفي ظل استمرار الجدل بين واشنطن وطهران حول بنود مذكرة التفاهم، وإصرار ترامب على إدخال تعديلات تمنحه مخرجاً سياسياً يتيح له تسويق «صورة نصر» في الداخل، حصلت إسرائيل على ضوء أخضر لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان. وبحسب ما يظهر على الأرض، اتجهت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات ميدانية لا تُحدث تحولات عسكرية جوهرية، لا تؤثر على حركة المقاومة بقدر ما تستنزف القوات
الإسرائيلية نفسها. ومع ذلك، يواصل العدو اعتماد مقاربة مشابهة لتجربته في غزة، تقوم على «تحميل اللبنانيين، ولا سيما البيئة الحاضنة للمقاومة الثمن الأكبر جراء استمرار عمليات المقاومة».
وفي تطور لافت أمس، رفعت إيران منسوب تسريباتها بشأن موقفها من التصعيد الإسرائيلي في لبنان. ونقلت مصادر في الحرس الثوري أن طهران أبلغت الوسيط الباكستاني بأنها أكثر تمسكاً بضرورة أن يشمل أي وقف للحرب جبهة لبنان، ليس فقط عبر وقف إطلاق النار، بل أيضاً عبر وضع جدول زمني واضح لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وتزامن ذلك مع معلومات نقلتها قناة «الجزيرة» عن مصادر في طهران، تفيد بأن الولايات المتحدة عرضت مقايضة تقوم على تخفيف القيود الإيرانية في مضيق هرمز، مقابل تولي واشنطن ضمان وقف الحرب على لبنان والتوصل إلى اتفاق أمني بين
بيروت وتل أبيب يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية وتكليف الجيش اللبناني بمهام الأمن على كامل الأراضي اللبنانية. غير أن طهران رفضت هذا الطرح، وفق المصادر نفسها. كما أشارت مصادر من الحرس الثوري إلى أن القيادة الإيرانية تدرس خيار «إسناد عسكري للبنان، عبر تكثيف النشاط العسكري ضد قوات الاحتلال، في حال استمرار التصعيد».
وكتبت" الشرق الاوسط": أكدت مصادر وزارية أن الوفد العسكري العائد في الساعات الماضية إلى بيروت، كان على تواصل مع كرم وسفيرة لبنان في أميركا ندى حمادة معوض اللذين بقيا على اتصال مفتوح مع عون وأعضاء فريق الدعم الذي يوجد باستمرار إلى جانبه.
وأضافت أن الوفد العسكري تبادل المقترحات مع الوفد الإسرائيلي تحت سقف تمسكه بتثبيت الهدنة، قبل الانتقال للبحث في النقاط المدرجة على جدول أعمال اللقاء تحت سقف البحث في المسار الأمني.
وتابعت بأن لبنان -بلسان الوفد العسكري- لم يوافق على مجموعة من المقترحات التي تقدم بها الوفد الإسرائيلي باعتبار أنها منوطة بالوفد السياسي، رافضاً تشكيل لجنة تنسيق عسكرية بين البلدين، أو إقامة منطقة عازلة في جنوب نهر الليطاني لغياب الأسباب الموجبة لها، محملاً إسرائيل مسؤولية تجريفها وتدميرها للبلدات بذريعة التخلص من سلاح «حزب الله» الذي تقول إنه يختزنه بداخل المنازل.
وفي هذا السياق، تأكد أن الوفد العسكري حمَّل إسرائيل مسؤولية تدميرها الممنهج للمنازل وتجريفها للبلدات؛ لأنها لا تميز بين المنازل التي يخزِّن فيها الحزب سلاحه -كما تدعي إسرائيل- والأخرى التي تخلو منه، ما دام جيشها لديه خرائط في هذا الخصوص.
كما تأكد أن الوفد العسكري طرح أسئلة حول ما تقصده إسرائيل بإقامة منطقة عازلة، وطبيعة المرحلة في الجنوب فور انتهاء المهمة الموكلة إلى قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) نهاية العام الحالي.
وأبدى الوفد استعداد الجيش اللبناني -بلا أي تردد- للانتشار في الجنوب فور انسحاب إسرائيل، طالباً توفير الدعم له لرفع جهوزيته عتاداً وعدداً، ترجمة لما تعهد به أصدقاء لبنان في هذا الخصوص.
من ناحيته، طرح الجانب الأميركي إعادة إحياء لجنة الـ«ميكانيزم» وتفعيل دورها على نحو يسمح لها بمراقبة تنفيذ أي اتفاق أمني يمكن التوصل إليه بين البلدين برعاية أميركية، ركيزته انسحاب إسرائيل، على أن يبدأ في تثبيت الهدنة، بما يمكِّنها من الإشراف على تطبيق الاتفاق لإنهاء حال العداء بين البلدين، وذلك في إشارة إلى استبعاد الولايات المتحدة لفرنسا من عضويتها، ولاحقاً «يونيفيل»، في مقابل زيادة عدد المراقبين الدوليين المولجين الإشراف على تطبيق اتفاقية الهدنة الموقعة بين البلدين عام 1949.
لكن الرهان على حصول تطور إيجابي يدفع باتجاه تثبيت الهدنة، كما تتمنى واشنطن، بالتزامن مع انعقاد الجولة الرابعة، يبقى معلقاً على ما تعهدت به، من دون أن يقطع الطريق على تساؤلات مصدرها أوساط سياسية لبنانية فاعلة، تصنَّف على خانة الخصوم السياسيين لـ«حزب الله»، وتدور حول الأسباب الكامنة وراء المراوحة التي تطغى على الجهود الباكستانية للتوصل إلى اتفاق إيراني- أميركي، وما إذا كان تأخيره يأتي عن قصدٍ أميركي لتمرير رسالة تتجاوز إصرارها على فصل المسارين اللبناني- الإيراني إلى تمكين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من شراء الوقت للتوسع جنوباً في حربه على «حزب الله»، لفرض أمر واقع على الأرض يؤدي إلى حشره من جهة، وتأليب حاضنته عليه بعد أن أطبق نتنياهو سيطرته على قلعة الشقيف، وتمكن من فرض حزام أمني بالنار يحاصر صور والنبطية وعبرهما البلدات الواقعة على امتداد الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المطل على جنوبه، من دون دخول الجيش الإسرائيلي إليهما بضمانة أميركية تضاف إلى ضمانتها بتحييد بيروت والضاحية الجنوبية رغم تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية باستهدافهما.