تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

عربي-دولي

تراجع ترامب عن ضرب إيران.. اعترافٌ بحدود القوة الأميركية؟

Lebanon 24
02-06-2026 | 02:38
A-
A+
تراجع ترامب عن ضرب إيران.. اعترافٌ بحدود القوة الأميركية؟
تراجع ترامب عن ضرب إيران.. اعترافٌ بحدود القوة الأميركية؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يتحول دونالد ترامب فجأة إلى داعية سلام، ولم يستيقظ مقتنعاً بأن الحروب الكبرى لا تُدار بالرغبات ولا بالشعارات. لكن قراره تعليق ضربة جديدة كانت مقررة ضد إيران كشف، وفق قراءة نشرها موقع CounterPunch، أن حسابات واشنطن العسكرية تغيّرت، وأن القوة الأميركية، رغم ضخامتها، لم تعد قابلة للاستخدام بسهولة من دون كلفة سياسية واستراتيجية باهظة.
Advertisement

التفسير العلني للتراجع كان دبلوماسياً. فقد ضغطت قطر والسعودية والإمارات باتجاه ضبط النفس، وحملت باكستان مقترحاً، فيما أصبحت المحادثات جدية بما يكفي لتبرير التأجيل. غير أن هذا التفسير، وإن كان صحيحاً، لا يكفي وحده لفهم ما جرى.

فالمسألة الأعمق أن الافتراض الأميركي القديم، القائم على إمكان قصف إيران واحتوائها وإذلالها ثم دفعها بهدوء إلى طاولة التفاوض، اصطدم بواقع مختلف. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك قوة هائلة، لكن امتلاك القوة لا يعني دائماً القدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية مقبولة.

وهذا ما كشفته أزمة إيران. فتردد ترامب لم يكن مجرد استجابة لضغط عربي، بل اعترافاً ضمنياً بأن جولة جديدة من الضربات قد لا تعيد الردع، بل ربما تسرّع تآكله. فمشكلة البنتاغون لم تعد فقط في اختيار الأهداف، بل في الاستنزاف، والتصعيد، وتراجع القدرة على التنبؤ بما سيحدث بعد الضربة.

وتشير القراءة إلى أن عملية Epic Fury استهلكت جزءاً كبيراً من قدرات الولايات المتحدة البحرية والجوية والدفاعية، من حاملات وقاذفات وناقلات وقود وأنظمة اعتراض. كما أظهرت التقديرات الدفاعية قلقاً من تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية، ومن العبء الذي تحملته واشنطن في الدفاع عن إسرائيل في مواجهة الصواريخ الإيرانية. وهذه ليست علامات حرب رخيصة، بل مؤشرات إلى حرب تستنزف معدات وقدرات يحتاجها الأميركيون في ساحات أخرى.

في المقابل، لم تتصرف إيران كما تخيلها بعض صناع القرار في واشنطن. فهي لم تظهر كخصم هش يمكن إخضاعه سريعاً، بل حافظت على جاهزية قواتها ورفعت مستوى تحذيراتها، وبدا أن وضعها الدفاعي أصبح أكثر تكيفاً مما كان عليه في بداية النزاع. ولا تعني هذه القراءة أن إيران قادرة على هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة تقليدية، بل أن طهران لا تحتاج إلى هزيمة واشنطن عسكرياً كي تجعل أي ضربة جديدة مكلفة سياسياً واستراتيجياً.

وهذه النقطة، بحسب التقرير، تغيب كثيراً عن النقاش الأميركي. فالقصف يستطيع تدمير منشآت وقتل قادة وإظهار الحزم على الشاشات، لكنه لا يستطيع وحده إجبار دولة ترى أن بقاءها مهدد على الاستسلام. وحتى بعض المحللين المتشككين في طهران يقرون بأن إسكات الدفاعات الجوية أو ضرب القيادات لا يجيب عن السؤال الأساسي: كيف يتحول العقاب العسكري إلى تسوية دائمة؟

حتى الآن، الجواب أنه لا يتحول. بل إن الحرب وسّعت الكلفة. فقد أربكت أسواق الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز، ودفعت حلف شمال الأطلسي إلى نقاشات حول تداعيات استمرار عدم الاستقرار في هذا الممر، كما نقلت القلق من أسعار البنزين إلى البيوت الأميركية، ووضعت القوات والسفن والقواعد الأميركية تحت تهديد دائم. وهذا، وفق النص، ليس هيمنة استراتيجية بل تورط استراتيجي.

ومن منظور محافظ، تبدو الخلاصة واضحة: السياسة الخارجية يجب أن تبدأ من المصالح الأميركية، لا من حاجات الحلفاء أو المانحين أو مراكز الأبحاث أو جنرالات الشاشات. وإذا كان شعار “أميركا أولاً” يعني شيئاً، فيجب أن يعني قياس السياسات بمصلحة الولايات المتحدة الملموسة، لا بالالتزامات الموروثة أو الشعارات المجردة. وبحسب هذا المعيار، فإن حرب إيران تفشل.

تفشل لأن الرئيس لم يشرح النهاية التي يريد الوصول إليها. وتفشل لأن معظم الأميركيين رفضوا العمل العسكري، ولأن ثلثيهم أيدوا إنهاء التدخل الأميركي سريعاً، حتى من دون تحقيق كل الأهداف المعلنة. وتفشل أيضاً لأن الكونغرس يحاول استعادة دوره الدستوري بعدما تعامل رئيس آخر مع صلاحيات الحرب كأداة شخصية.

قد يقول المدافعون عن ترامب إنه تراجع لأنه رجل صفقات. لكن التوصل إلى اتفاق بعد التصعيد لا يثبت أن التصعيد كان حكيماً، بل قد يثبت أن التصعيد خلق مخاطر أكبر من القدرة على تجاهلها. وإذا كانت الإدارة ستقبل الآن بالدبلوماسية، وتخفيف العقوبات، وخفض التوتر البحري، والرقابة النووية كطريق واقعي إلى الأمام، فإن السؤال الواضح هو: لماذا كان على القوات الأميركية أن تستنزف جاهزيتها وذخائرها وتخاطر بحريق إقليمي للوصول إلى هذه النتيجة؟

أما دعاة التشدد، فسيصفون ضبط النفس بالضعف، كما فعلوا دائماً. فقد اعتبروا العراق حرباً قابلة للربح، وأفغانستان مساراً قابلاً للاستمرار، وليبيا تدخلاً إنسانياً، وفيتنام انتصاراً سهلاً، وسوريا ملفاً يمكن إدارته. لكن سجلهم، كما يطرح التقرير، لا يمنحهم حق إعطاء دروس في القوة. فالقوة الحقيقية ليست في رفض مراجعة المسار الخاطئ، بل في القدرة على التوقف قبل أن يحوّل الكبرياء الخطأ إلى كارثة.

لم تجعل الضغوط إيران أكثر خضوعاً، بل جعلتها أكثر صلابة واستعداداً وتصميماً. وهذا قد يزعج واشنطن، لكنه واقع استراتيجي. فأي هجوم جديد لن يختبر إيران وحدها، بل سيختبر قدرة الولايات المتحدة على تحمل حرب أطول، وأسعار طاقة أعلى، وجاهزية أضعف في آسيا، ومخاطر أكبر على قواتها، وانعدام ثقة أعمق داخل المجتمع الأميركي.

تراجع ترامب لأن الخطوة التالية بدت أقرب إلى الاستنزاف منها إلى النصر. ولذلك، يرى التقرير أن عليه مواصلة التراجع. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى استعراض جديد للقوة الجوية، بل إلى خروج من منطق جعل القصف يبدو بديلاً من السياسة.

الدبلوماسية، في هذا السياق، ليست هدية لطهران، بل عملية إنقاذ لاستراتيجية أميركية مرهقة ومتمددة فوق طاقتها. والرئيس المحافظ لا يفترض أن يسأل كيف يقصف إيران مجدداً، بل لماذا لا تزال أميركا تدفع ثمن الوهم القائل إن القصف قادر على جعل الشرق الأوسط يطيع.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك