تتزايد الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن كيفية إنهاء حربه في أوكرانيا، في ظل تعثر الهجوم الروسي ميدانياً، وتراجع الموارد المالية، وتكثيف كييف ضرباتها بالمسيّرات داخل الأراضي الروسية، ما يفاقم حالة التململ الشعبي، بحسب مسؤولين ومحللين روس وأوروبيين.
وبحسب The Washington Post، لجأ مسؤولون روس في الأيام الأخيرة إلى تهديدات أكثر حدّة بتكثيف قصف كييف، محذرين مسؤولين غربيين من البقاء في العاصمة الأوكرانية. وخلال ليل الثلاثاء، أطلقت
روسيا موجة جديدة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات على كييف، ما أدى إلى مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، بعدما طالت الضربات مباني سكنية عدة. كما قصفت روسيا مدينة دنيبرو في وسط أوكرانيا، ما أدى إلى مقتل 9 أشخاص على الأقل.
وفي موازاة ذلك، أثار الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف،
نائب رئيس مجلس الأمن الروسي حالياً، غضباً أوروبياً بعد تعليقه على مسيّرة روسية سقطت على مبنى سكني في رومانيا، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، واصفاً الحادث بأنه "إشارة تحذير أولى". وقال إن على مواطني
الاتحاد الأوروبي أن يدركوا أن سلطاتهم دخلت "حرباً مع روسيا"، مضيفاً أن "النوم الهادئ انتهى".
ويرى مسؤولون أوروبيون أن هذا التصعيد في الخطاب والسلوك الروسي يعكس الصعوبات العسكرية والاقتصادية المتزايدة التي تواجهها موسكو، وقد يكون محاولة للضغط من أجل إحياء محادثات السلام المتعثرة، لكن وفق شروط الكرملين.
وتشير الصحيفة إلى أن تحليلاً نُشر في إحدى أبرز المجلات الروسية المتخصصة بالسياسة الخارجية خلص إلى أن أهداف بوتين في الحرب باتت غير قابلة للتحقيق، في مؤشر إضافي إلى اتساع التململ داخل النخبة السياسية الروسية. وكتب الأكاديمي الروسي فاسيلي كاشين أن استمرار الدعم
الغربي لكييف يجعل من المستحيل على روسيا التفوق على أوكرانيا في الإنفاق على المعدات والتكنولوجيا العسكرية، فيما تثبت جهود التعبئة الأوكرانية أنها قادرة على موازنة نظام التجنيد الروسي المحدود.
وبحسب كاشين، فإن الحرب باتت تدور بين خصمين متقاربين نسبياً في القدرة، وهذا النوع من الحروب نادراً ما ينتهي بتدمير أحد الطرفين بالكامل. واعتبر أن هدف "تصفية النظام المعادي لروسيا" في كييف لا يمكن تحقيقه إلا عبر احتلال كامل وطويل الأمد لأوكرانيا، وهو أمر "مستحيل تقنياً" بالنسبة إلى روسيا.
وتقول مصادر أوروبية إن الكرملين يبحث عن طريقة لاستعادة زمام المبادرة مع اقتراب موسم قتال صيفي قد يكون أصعب مما توقعت موسكو. فقد تسببت ضربات المسيّرات الأوكرانية متوسطة المدى باضطرابات كبيرة في شبكات الإمداد والطرق اللوجستية، خصوصاً في الممر البري الذي يربط روسيا بجنوب أوكرانيا المحتل وصولاً إلى شبه جزيرة القرم.
وفي القرم، بدأت تظهر مؤشرات على أزمة وقود، مع حديث محللين مقربين من الكرملين عن تقنين في الإمدادات وتقارير عن نقص واسع في البنزين خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وفي الأسابيع الأخيرة، كثفت روسيا ضرباتها الصاروخية والجوية على أوكرانيا، بما في ذلك هجمات وُصفت داخل كييف بأنها من الأعنف منذ بدء الغزو الروسي الشامل في شباط 2022. ويرى أكاديمي روسي قريب من الدبلوماسيين الروس أن الضربات الأخيرة على كييف ليست رداً فقط على هجوم أوكراني استهدف كلية في لوغانسك المحتلة، بل أيضاً على اتساع نطاق المسيّرات والصواريخ الأوكرانية وتباطؤ التقدم العسكري الروسي.
ورغم تأكيد بوتين أن الحرب في أوكرانيا “تقترب من نهايتها” نتيجة ما يصفه بزخم روسي في الميدان، لم يقدم دليلاً على ذلك. ويعتقد بعض المحللين أن موسكو قد تستخدم التهديد بالتصعيد لدفع
الولايات المتحدة إلى استئناف محادثات السلام، على أمل أن تضغط إدارة
ترامب على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لسحب قواته من منطقة دونيتسك المحصنة.
غير أن هذا السيناريو يبدو بعيداً، بحسب الباحثة تاتيانا ستانوفايا، التي ترى أن التفوق العسكري الروسي بدأ يتراجع، وأن أوكرانيا توسّع نطاق ضرباتها وحدّتها، في وقت جمّدت فيه
واشنطن المسار التفاوضي. وتضيف أن التصعيد يصبح، بالنسبة إلى موسكو، وسيلة للرد على وضع لم تعد قادرة على التحكم به.
وتعتبر السيطرة على دونيتسك اليوم الهدف العسكري الأبرز لبوتين، وشرطه الأساسي لإنهاء الحرب، بعد فشل المسعى الأوسع لاحتلال كييف وإسقاط حكومة زيلينسكي. لكن مسؤولين ومحللين يحذرون من أن أي انسحاب أوكراني من دونيتسك قد يمنح روسيا فرصة لإعادة التسليح ثم محاولة السيطرة على أراضٍ إضافية لاحقاً.
اقتصادياً، تواجه روسيا ضغوطاً متزايدة، رغم ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب الأميركية ضد
إيران وإغلاق مضيق هرمز. فزيادة الإنفاق العسكري، وتراجع عائدات القطاع المدني، وانكماش الاقتصاد تحت وطأة العقوبات وأسعار الفائدة المرتفعة، كلها عوامل تدفع البلاد نحو عجز مالي أكبر.
وقال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف إن الحكومة تستعد لإجراء خفض شديد في الإنفاق في معظم القطاعات باستثناء الدفاع والإنفاق الاجتماعي، بعدما تضاعف العجز في الربع الأول من العام مقارنة بالفترة السابقة. وأضاف أن “الاحتياطات ليست بلا نهاية”.
ومع تزايد الخسائر البشرية الروسية، التي تصل إلى عشرات الآلاف شهرياً بين قتلى وجرحى، تواجه موسكو صعوبة متزايدة في تعويض قواتها. ويقول المعارض الروسي ميخائيل خودوركوفسكي إن مناطق القتل التي تسيطر عليها المسيّرات على خطوط الجبهة تجعل الجنود عاجزين عن الحركة أو العودة بسهولة، خلافاً لما كان يحدث سابقاً.
ويرى بعض المسؤولين
الأوروبيين أن روسيا، إذا استمر معدل الاستنزاف الحالي، قد تضطر إلى إطلاق تعبئة غير شعبية بعد الانتخابات البرلمانية في أيلول. لكن آخرين يعتقدون أن الكرملين قد يفضّل إبطاء حملته العسكرية بدلاً من خوض مغامرة سياسية خطرة، خصوصاً أن التعبئة الواسعة في خريف 2022 أثارت احتجاجات ودفعت عشرات الآلاف من الرجال إلى مغادرة البلاد.
وتخلص القراءة إلى أن مسؤولين غربيين، بعدما ظلوا لفترة طويلة متشائمين بشأن فرص أوكرانيا، بدأوا يرون أن الاتجاه قد يتحول ضد بوتين، ولو مؤقتاً. فروسيا قد لا تُطرد من أوكرانيا قريباً، لكنها قد تصل إلى مرحلة تصبح فيها عمليات جيشها أقل قدرة على تحقيق نتائج استراتيجية مؤثرة.