تكشف التطورات المتسارعة داخل
إيران أن العقبة الكبرى أمام أي تفاهم محتمل مع
الولايات المتحدة قد لا تكون بنود الاتفاق أو تفاصيله التقنية، بل طبيعة موازين القوى داخل النظام
الإيراني نفسه، في ظل تصاعد نفوذ الحرس الثوري واتساع الهوة بين مؤسسات الدولة والتيارات السياسية المتنافسة.
وتشير مصادر دبلوماسية أوروبية مطلعة إلى أن كل يوم إضافي تقضيه المفاوضات غير المباشرة بين
واشنطن وطهران في دوامة الوساطات والرسائل المتبادلة يصب عملياً في مصلحة الحرس الثوري، الذي يستفيد من إطالة أمد الأزمة، لتعزيز قبضته على مفاصل القرار الإيراني، وتقليص فرص الوصول إلى اتفاق مستقر وقابل للتنفيذ.
وتأتي هذه التقديرات في وقت أثارت فيه تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية، بعدما دعا إلى عدم حصر إدارة الدولة في دائرة ضيقة من المسؤولين وصناع القرار، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها اعتراف غير مباشر بوجود أزمة عميقة في بنية الحكم وآليات اتخاذ القرار داخل الجمهورية الإسلامية.
وقال مصدر دبلوماسي
أوروبي لـ"إرم نيوز" إن المشكلة الأساسية التي تواجه أي تفاهم محتمل مع إيران لا تتعلق فقط بالخلافات مع واشنطن، بل بالسؤال الأكثر تعقيداً: من يملك القرار النهائي داخل طهران؟
وأضاف أن أي اتفاق يحتاج إلى مؤسسات قادرة على الالتزام به وتنفيذه، بينما تشير الوقائع الحالية إلى وجود مراكز نفوذ متعددة؛ ما يجعل مستقبل أي تفاهم عرضة للاهتزاز بمجرد تغيّر موازين القوى الداخلية.
وبحسب المصدر، فإن الحرس الثوري يرى في المرحلة الحالية فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب موقعه داخل النظام، مستفيداً من تداعيات الحرب الأخيرة وما خلفته من تحولات داخلية وإقليمية.
وتعتقد دوائر دبلوماسية أوروبية أن الحرس الثوري لا ينظر إلى المفاوضات مع واشنطن باعتبارها أولوية، بقدر ما ينظر إلى كيفية توظيفها لتعزيز موقعه السياسي والأمني داخل الدولة، وتشير هذه التقديرات إلى أن إطالة أمد التفاوض تمنح الحرس وقتاً إضافياً لإعادة تنظيم شبكاته العسكرية والأمنية وترميم ما تضرر خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن تعزيز حضوره في مراكز القرار على حساب التيارات الأخرى.
ويرى المصدر
الأوروبي أن بعض دوائر النفوذ داخل إيران تتعامل مع الاتفاق المحتمل بوصفه تهديداً لمكاسبها السياسية؛ لأن أي انفراج مع واشنطن قد يعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة ويحد من احتكار القرار.
من جانبه، يرى الخبير في الشؤون
الإيرانية الدكتور أحمد الياسري أن تصريحات بزشكيان الأخيرة لم تكن عابرة، بل حملت رسائل سياسية واضحة وإن جاءت بصياغة حذرة.
وأوضح لـ"إرم نيوز" أن الرئيس الإيراني يدرك حساسية الصراع القائم داخل النظام، لذلك يلجأ إلى استخدام لغة غير مباشرة لتوجيه انتقادات مبطنة لهيمنة الحرس الثوري على القرار السياسي.
وأضاف أن حديث بزشكيان عن ضرورة عدم احتكار إدارة الدولة من قبل دائرة محدودة من المسؤولين يعكس قناعة متنامية داخل المعسكر الإصلاحي بأن مؤسسات الدولة المدنية فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها أمام تمدد المؤسسة العسكرية والأمنية.
وبحسب الياسري، فإن ما يجري داخل إيران يتجاوز الخلاف التقليدي بين إصلاحيين ومحافظين، ليصل إلى صراع أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وحدود سلطة المؤسسات المنتخبة في مواجهة مراكز القوة غير المنتخبة.
وتظهر الانقسامات الداخلية بوضوح من خلال الحملات السياسية والإعلامية المتبادلة بين التيارات المختلفة، حيث يتعرض كل من يدعو إلى الانفتاح على واشنطن أو تبني مقاربة تفاوضية أكثر مرونة لاتهامات متكررة بالتفريط والخضوع للضغوط الخارجية.
ويرى مراقبون أن شخصيات بارزة ارتبطت سابقاً بمسار التفاوض، مثل الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، أصبحت هدفاً لحملات سياسية تهدف إلى تحميلها مسؤولية الأزمات السابقة والتشكيك في خياراتها. (إرم نيوز)