كتب مصطفى فحص في" الشرق الاوسط": حين يتمركز جنود العدو الإسرائيلي على بُعد مئات الأمتار من منزل جدي في قرية النبطية الفوقا، على مسافة تقل عن كيلومترين عن قلب مدينة النبطية وسوقها القديمة التي سوّى القصف الإسرائيلي معظم أبنيتها بالأرض، فهذا لا يعني فقط أنك ترى عدوك بالعين المجردة. في الحقيقة، إنه انكشاف وتراجع ميداني أمام تقدم عسكري إسرائيلي قد يصل إلى مدينة النبطية أو ما بعدها. وهو الانكشاف والتراجع ذاته الذي يُهدد مدينة صور ومحيطها، سواء بمزيد من الدمار الشامل أو بخطر الاحتلال.هذا التقدم الميداني الإسرائيلي باتجاه مدينتين مركزيتين في الجنوب، وفشل «الثنائي الشيعي» المتحكم بالطائفة، في الدفاع عنهما، على الرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمها المقاتلون على الجبهات، يضعه أمام امتحانين فشل في كليهما. فـ«حزب الله» سقط في امتحان السلاح الذي لم يمنع العدو من التقدم البري، فيما سقط رئيس حركة «أمل» نبيه بري في امتحان الوقت، بعدما حاول ربط مصير الجنوب بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، قبل أن يُعلن أخيراً أنه يملك موافقة «حزب الله» على وقف إطلاق النار. إلا أن هذه الموافقة المتأخرة لا تنطبق عليها المقولة الشهيرة: «أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً».
لم يدرك «الثنائي» أن الوقت كالسيل، إن لم تقطعه قطعك، فلقد خسر عامل الوقت نتيجة رهاناته غير الدقيقة على طهران وقراءاته الخاطئة لبنيامين نتنياهو، الذي لم يلتزم سابقاً بأي اتفاق، ولن يلتزم اليوم حتى لو وافقت تل أبيب على بنود بيان واشنطن المشترك الذي رهن وقف النار بخروج الحزب من مناطق جنوب النهر.
وإذا كان الجدل الجنوبي المفتوح لن يتحول سريعاً إلى معارضة سياسية معلنة، فإنه يُشكل بداية تأسيس لاعتراض متزايد على سياسات «حزب الله»، وعلى دوره ووظيفة السلاح ومستقبله. وهذا يعني، في أحد وجوهه، بداية تحول اجتماعي وسياسي داخل البيئة الشيعية نفسها.