ويرى التقرير أن الهجوم قد يفتح أيضاً باباً أمام الاتفاق، لا الحرب فقط. فمن جهة، منح الرد العسكري
التيار المتشدد في الداخل دليلاً على أن القوات الإيرانية نفذت تهديداتها. ومن جهة أخرى، قد يسمح ذلك للحكومة بالذهاب إلى تسوية لاحقة وهي تقول إنها فاوضت من موقع قوة لا من موقع تراجع. وبذلك، يبدو أن ضربة 7 حزيران جمعت بين رسالتين متناقضتين: رسالة عسكرية إلى إسرائيل بأن بيروت ليست خارج الحسابات الإيرانية، ورسالة سياسية إلى واشنطن بأن طريق الاتفاق لم يُغلق بعد، لكنه أصبح أكثر صعوبة وتعقيداً.
وقال التقرير:" جاء الهجوم في لحظة شديدة الحساسية، إذ لم يكن واضحاً، حتى وقت إعداد التقرير، ما إذا كان هناك توافق أميركي ـ إسرائيلي على الرد على طهران أو استئناف الحرب. فالضربات الإيرانية وقعت بعد ساعات قليلة من زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى إيران، حاملاً رسالة جديدة من
الولايات المتحدة إلى طهران، ما أظهر أن مسار الوساطة والمفاوضات لا يزال قائماً، خصوصاً في ظل ميل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأيام الأخيرة، إلى الدفع باتجاه اتفاق. لكن بعد ساعات من الهجوم الإيراني، أعلن الجيش
الإسرائيلي أنه استهدف مواقع عسكرية في غرب ووسط إيران".
ووفق التقرير، جاءت الضربات الإيرانية بعدما شن الجيش الإسرائيلي هجمات عدة على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفت مواقع تابعة لـ"
حزب الله". وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الهجوم استهدف تحديداً منطقة الضاحية، حيث كان يوجد عدد من كبار أعضاء الحزب، مشيراً إلى أن العملية جاءت رداً على هجمات صاروخية وبالمسيّرات على شمال إسرائيل. وردّ الحرس الثوري الإيراني بإطلاق 23 صاروخاً باليستياً على أربع موجات من مدن إيرانية مختلفة. ووصف الحرس الهجوم بأنه “تحذير”، مهدداً بردود أوسع إذا تكررت ما سماه "الاعتداءات"، ومؤكداً أنه استهدف قاعدة رامات دافيد ومصادر الهجمات على لبنان. أما
وزارة الخارجية الإيرانية، فقالت إن القوات المسلحة الإيرانية تحركت ضمن “حق الدفاع عن النفس”، معتبرة أن وقف إطلاق النار في لبنان جزء لا يتجزأ من تفاهم 8 نيسان، وحمّلت الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عن خروقات إسرائيل للهدنة وما قد ينتج عنها من تصعيد. وفي موازاة التصعيد العسكري، بقيت الدبلوماسية حاضرة. فقد أجرى
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات منفصلة مع مسؤولين في بريطانيا وتركيا وباكستان وفرنسا وقطر، لبحث التطورات الإقليمية بعد الرد الإيراني على ما وصفته طهران بالخروقات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان. وفي واشنطن، حاول ترامب الظهور بموقف أكثر هدوءاً، قائلاً إن الهجوم لن يؤثر في المفاوضات، ومشدداً على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "لن يكون أمامه خيار" سوى قبول الاتفاق مع إيران. وأضاف: "أنا أقرر. أنا أتخذ كل القرارات. نتنياهو ليس صاحب القرار”. غير أن الإعلان الإسرائيلي عن ضرب مواقع داخل إيران أظهر أن مسار الاحتواء لا يزال هشاً".
ويعيد التقرير جذور الضربة الإيرانية إلى مفهوم "وحدة الجبهات" داخل محور المقاومة، وهو التصور الذي يعتبر أن الاعتداء على أي طرف في الجبهة هو اعتداء على بقية الأطراف. ومن هذا المنطلق، ربطت إيران وقف إطلاق النار في نيسان بوقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.لكن إسرائيل، من جهتها، لم تتعامل مع الجبهة اللبنانية بالطريقة نفسها، وواصلت عملياتها في الجنوب اللبناني، معتبرة أن وجود "حزب الله" يشكل تهديداً لأمنها. وتصاعد التوتر أكثر في الأول من حزيران، حين حذر الجيش الإسرائيلي سكان الضاحية الجنوبية لبيروت من إخلاء المنطقة. حينها، أصدرت طهران تحذيرات مقابلة، وطلب ترامب من إسرائيل عدم إرسال قوات إلى بيروت وإعادة أي قوات كانت في طريقها إلى هناك. ورغم توقف الهجمات مؤقتاً، أكد نتنياهو أن بيروت والضاحية لن تكونا آمنتين ما لم يتحقق الهدوء للجنود والمستوطنات في
الشمال. وفي الداخل الإيراني، أثارت الضربات الإسرائيلية المتواصلة على جنوب لبنان انتقادات بين بعض الأوساط السياسية والشعبية، إذ سادت تساؤلات حول موقف طهران، واعتبر البعض أن لبنان دخل الحرب من أجل إيران فيما بقيت الأخيرة مترددة في الرد المباشر".
تابع التقرير:" مع تنفيذ الضربة، نشر عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين الإيرانيين رسائل تؤكد أن “الوعد تحقق”. ودعا بعضهم إلى إبقاء “الميدان والدبلوماسية والشارع” مترابطة، فيما اعتبر مسؤولون آخرون أن ما جرى رسالة قوة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن في مقابل الخطاب الرسمي، أشار بعض المحللين العسكريين إلى أن الهجوم لم يكن واسع القوة، ورأوا أنه ربما جاء محسوباً لتوجيه رسالة سياسية أكثر من كونه محاولة لتوسيع الحرب. كما بقيت شائعات تتحدث عن أن طهران أبلغت الجانب الإسرائيلي مسبقاً بالهجوم، وهو ما لم يُحسم في التقرير. وفي الشارع الإيراني، حاول الإعلام الرسمي تصوير الهجوم كسبب للفرح الشعبي، إذ بثت القنوات الرسمية مشاهد من طهران وقم لمجموعات احتفلت بإطلاق الصواريخ ورددت شعارات داعمة للتصعيد. كما أُطلق عمل غنائي جديد بعنوان “اضرب بقوة”، حمل نبرة تعبئة وتحريض على مواصلة المواجهة".