نادراً ما يكون كأس العالم بعيدة تماماً عن السياسة، لكن نسخة 2026 تبدو وكأنها تتحرك فوق حبل جيوسياسي مشدود. فالدولة المضيفة الرئيسية،
الولايات المتحدة، تخوض حرباً مع دولة مشاركة، بينما يضطر منتخب تلك الدولة إلى التنقل من بلد آخر في أيام المباريات، في مشهد غير مسبوق في تاريخ البطولة.
وبحسب تقرير لـ"BBC" ترجمه "لبنان24"، لا يتوقف التعقيد عند هذا الحد. فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي الدول الثلاث المضيفة للمونديال، تجد نفسها أيضاً وسط حرب تجارية واسعة، في وقت ستتزامن فيه البطولة مع مفاوضات إعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ويولي الرئيس الأميركي
دونالد ترامب اهتماماً بالغاً بالبطولة وبصورتها ورعاتها، خصوصاً بعد عودته إلى البيت الأبيض. وقد بدا أكثر حضوراً في المشهد مع اقتراب صافرة البداية، من خلال مواقفه من الحرب مع
إيران، والدعوات إلى وقف الهجمات، والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق.
ولكن المفارقة، حسب التقرير، أن ترامب كان قد تسلم جائزة سلام من "فيفا" قبل أن تتسبب الحرب مع إيران بصدمة اقتصادية وطاقوية عالمية. وتزيد الرمزية أكثر مع احتمال أن تلتقي الولايات المتحدة وإيران في الأدوار الإقصائية خلال عطلة احتفالات الاستقلال الأميركي الـ250. ورغم أن كرة القدم ستخطف الأنظار في النهاية، فإن الجانب الاقتصادي من البطولة يبدو بنفس أهمية ما سيحدث داخل الملعب. فالنسخة الحالية تمثل تحوّلاً كبيراً في نموذج تمويل المونديال وتسعير التجربة الجماهيرية، إلى درجة أن المشجعين باتوا يشعرون بأنهم الطرف الأكثر ضغطاً في البطولة. فالمقولة الشهيرة للمدرب الاسكتلندي الراحل جوك ستين، "كرة القدم لا شيء بلا جماهير"، تبدو اليوم أمام اختبار صعب. فبعض الجماهير دفعت أسعاراً غير مسبوقة لحضور مباريات قد لا تكون حاسمة، إضافة إلى تكاليف نقل مرتفعة للغاية، بينها تذكرة قطار في نيوجيرسي ارتفع سعرها خلال البطولة من 12.90 دولاراً إلى نحو 100 دولار.

ويوضح التقرير، أن مونديال 2026 يعتمد نموذجاً اقتصادياً مختلفاً عما سبق. فبدلاً من بناء ملاعب ضخمة جديدة ممولة من الحكومات كما حدث في نسخ سابقة، تُقام البطولة بمعظمها في ملاعب كرة القدم الجاهزة، خصوصاً في الولايات المتحدة، مع اعتماد أسلوب تسعير قريب من النموذج الأميركي القائم على تعظيم الإيرادات. وهنا يدخل مفهوم "الاقتصاد حيث تستفيد فئات ميسورة من التجربة الفاخرة، بينما تُدفع فئات أخرى إلى الهامش بسبب الكلفة المرتفعة". وتؤكد "فيفا" من جهتها أن العائدات الكبيرة ستُستخدم لاحقاً لتطوير كرة القدم في الدول الأقل ثراءً. وتُعد هذه النسخة الأكبر في التاريخ، مع 48 منتخباً و104 مباريات ومسافات سفر هائلة بين فانكوفر ومكسيكو سيتي. ومن الممكن أن يقطع المنتخب الفائز مسافة تعادل تقريباً قطر الأرض خلال مشواره في البطولة. أما الأسعار، فهي العنوان الأكثر إثارة للجدل. فتكلفة حضور بعض المباريات الجذابة في دور المجموعات قد تصل إلى نحو ألف دولار للتذكرة، بينما تبلغ أسعار نهائي البطولة مبالغ من خمسة أرقام بالدولار. وحتى “العروض الأرخص” تبقى بمئات الدولارات لمباريات أقل جاذبية.
ويرى التقرير، أن البطولة تشكل أكبر اختبار لاستخدام التسعير الديناميكي في حدث رياضي عالمي بهذا الحجم. هذا النموذج، المعروف في الحفلات الموسيقية وبعض الأحداث الرياضية، يرفع الأسعار تلقائياً مع ارتفاع الطلب. لكنه لم يُطبّق سابقاً بهذا الاتساع في كأس العالم. وتأثرت البطولة بوضوح باقتصاد كرة القدم الأميركية، حيث لا يكون الهدف فقط بيع كل المقاعد، بل تحقيق أعلى إيراد ممكن من كل مقعد. ففي
دوري كرة القدم الأميركية، تُصمم الملاعب والأسعار حول الضيافة الفاخرة والمقاعد المميزة، لا حول امتلاء المدرجات بأي ثمن. وهذا يختلف جذرياً عن منطق البطولات السابقة، التي كانت تعتمد غالباً على بناء بنى تحتية جديدة تنعش صورة الدولة المضيفة، ولو تركت لاحقاً ملاعب لا تجد استخداماً منتظماً. أما نسخة 2026، فاعتمدت نموذجاً أخف من حيث الأصول، إذ استأجرت "فيفا" ملاعب قائمة، ثم سعت إلى زيادة الإيرادات عبر عدد مباريات أكبر وملاعب أضخم وأسعار أعلى.

وتشير تقديرات، حسب التقرير، إلى أن إيرادات التذاكر والضيافة قد ترتفع بشكل هائل مقارنة بمونديال قطر 2022، الذي حقق 929 مليون دولار من هذا الباب. ويعتقد ريتشارد شيهان، أستاذ الاقتصاد وخبير التمويل الرياضي في جامعة نوتردام، أن الإيرادات قد تتجاوز 7 مليارات دولار في هذه النسخة. لكن هذه العائدات الضخمة لن تصل بالضرورة إلى المدن المضيفة. فبعكس مونديال الولايات المتحدة 1994، لا تشارك المدن اليوم في عائدات التذاكر المتزايدة، بينما تتحمل في المقابل تكاليف الأمن والنقل والتنظيم. ولذلك حاولت بعض المدن تعويض النفقات عبر رفع أسعار القطارات ومواقف السيارات، التي قد تصل إلى 175 أو حتى 225 دولاراً. وهذا يضع نسخة 2026 بعيداً جداً عن بطولات سابقة وفرت النقل المجاني لحاملي التذاكر، كما حدث في قطر وفرنسا واليابان وغيرها. وأمام الانتقادات، تشير "فيفا" إلى طرح بعض التذاكر بأسعار أقل، منها تذاكر بنحو 60 دولاراً توزع عبر الاتحادات الوطنية. لكنها في الوقت نفسه أدخلت سوق إعادة البيع إلى منصتها الرسمية، حيث يستطيع المشجعون إعادة بيع التذاكر بلا سقف سعري، مع حصول "فيفا" على عمولة من البائع والمشتري.
وحسب التقرير، تقول "فيفا" إنها بذلك تسحب أرباح السوق السوداء من الوسطاء وتحوّلها إلى كرة القدم العالمية. وتلفت إلى أن الأموال التي توزعها على الاتحادات ساهمت في تطوير اللعبة في دول صغيرة، بينها الرأس الأخضر التي تأهلت إلى البطولة الحالية بفضل تحسن البنية التحتية والعمل القاعدي.
لكن الخطر، وفق التقرير، هو أن يؤدي الإفراط في التسويق إلى إضعاف روح البطولة. فالسؤال لم يعد فقط عن حجم الإيرادات، بل عن شكل المدرجات: هل ستمتلئ فعلاً؟ وهل ستحضر جماهير المنتخبات الـ48 بأعداد كبيرة؟ وهل ستخلق الأجواء التي تجعل كأس العالم حدثاً شعبياً لا مجرد منتج فاخر؟ وتظهر بعض المؤشرات أن نموذج التسعير بدأ يواجه اعتراضاً، إذ تراجعت أسعار إعادة البيع لبعض المباريات الأقل طلباً بشكل كبير مقارنة بسعرها الأصلي.
وبين الحرب والسياسة والتجارة والأسعار الديناميكية، يفتتح مونديال 2026 أبوابه كأكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، لكنه أيضاً كأكثر نسخة تكشف كيف تغيّر اقتصاد كرة القدم. فالبطولة لا تُلعب فقط بين المنتخبات، بل بين نموذجين: كرة القدم كاحتفال جماهيري عالمي، وكرة القدم كمنتج فاخر يُباع لمن يستطيع دفع الثمن.
ويشير التقرير، إلى أن "الإقبال على بعض الأسعار المرتفعة لم يكن كما توقع المنظمون. فعدد قليل فقط من تذاكر القطار البالغ سعرها 98 دولاراً في نيوجيرسي بيع فعلاً، في وقت بدأت سلطات في نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا، إضافة إلى جهات في
الاتحاد الأوروبي، النظر في شكاوى تتعلق باستراتيجيات بيع التذاكر. ووصفت المدعية العامة في نيوجيرسي، جينيفر دافنبورت، ما يحدث بأنه "ممر من الارتباك والندرة المصطنعة والأسعار المستحيلة"، في ولاية تستضيف نهائي البطولة الشهر المقبل. لكن السؤال القانوني يبقى مفتوحاً حول مدى قدرة السلطات المحلية على مساءلة "فيفا"، وهي منظمة غير ربحية مقرها سويسرا. ولم تعلق "فيفا" على هذه القضية".
والسؤال الأوسع هو ما إذا كان الاتحاد الدولي قد دفع تجربة التسعير إلى نقطة حرجة. فمن غير المرجح، وفق التقرير، أن تتقبل جماهير الدول المضيفة لمونديال 2030 في إسبانيا والبرتغال والمغرب أسعاراً مماثلة. كما أن السلطات
البريطانية والإيرلندية استبعدت مسبقاً هذا النموذج في يورو 2028. وتأتي هذه التجربة في وقت قد يفتح فيه الذكاء الاصطناعي الباب أمام مرحلة جديدة من التسعير، تقوم على تحديد أسعار مختلفة لكل شخص بحسب بياناته وسلوكه وقدرته الشرائية. وبعض أندية الدوري الإنكليزي الممتاز بدأت بالفعل اختبار التسعير الديناميكي لعدد محدود من المقاعد بهدف زيادة الإيرادات، وهو ما يتعارض مع النموذج التقليدي القائم على المشجع الوفي الذي يشتري تذكرة موسمية بسعر ثابت.

يتابع التقرير:" وإذا بدت تجربة "فيفا" ناجحة مالياً، فقد تشجع مالكي بعض الأندية الأوروبية المرتبطين بدوري كرة القدم الأميركية على اعتماد نموذج مشابه، خصوصاً لتمويل مشاريع الملاعب الجديدة. وهنا يعود مفهوم "الاقتصاد على شكل K" إلى الواجهة. فالنموذج الأميركي، حيث يساهم أغنى 10% من المستهلكين بجزء ضخم من الإنفاق، قد يظهر داخل مدرجات كأس العالم. فالتسعير الديناميكي يبحث عملياً عن هذه الفئة القادرة على الدفع، ويحوّل تجربة كانت يوماً جماهيرية واسعة إلى منتج موجه لفئة أضيق وأكثر ثراءً. وعلى مستوى الاقتصاد الأوسع، يبقى الأثر الأميركي للبطولة محدوداً نسبياً بسبب ضخامة الاقتصاد الأميركي نفسه وازدهار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ورغم ظهور مؤشرات على خلق عشرات آلاف الوظائف، خصوصاً في قطاع الضيافة، فإن البطولة قد لا تكون كافية لإحداث تغيير اقتصادي كبير".

ويختم التقرير بالتأكيد أن "قرار شيكاغو الانسحاب من استضافة مباريات المونديال لم يعد غريباً كما بدا في البداية. فالمدن المضيفة لا تحصل على عائدات التذاكر الضخمة، بينما تتحمل تكاليف الأمن والنقل والتنظيم، في وقت تشير فيه بعض المدن إلى أن حجوزات الفنادق جاءت أقل من المتوقع. وفي بريطانيا، قد تمنح البطولة دفعة معنوية واقتصادية محدودة إذا حققت إنكلترا أو اسكتلندا مشواراً جيداً، إذ تستعد قطاعات التجزئة والضيافة لمبيعات قوية. لكن التوقيت المتأخر لبعض المباريات قد يطرح مشكلة إنتاجية أيضاً، خصوصاً مع مباريات تُقام بعد منتصف الليل. وبذلك، لا تبدو كأس العالم 2026 مجرد بطولة كروية ضخمة، بل تجربة اقتصادية مثيرة للجدل قد تعيد تشكيل العلاقة بين كرة القدم والجمهور. فـ"فيفا" تختبر نموذجاً جديداً في التسعير، وإذا نجح، فقد لا تبقى آثاره محصورة بالمونديال وحده."