من بين المآسي غير المنتظرة التي تواجه
لبنان حاليًا بفعل الحرب القائمة في المنطقة ما تشهده الساحة
اللبنانية من عودة لافتة وقسرية لعدد من اللبنانيين الذين كانوا يعملون في شركات في بعض الدول الخليجية الأخرى، وذلك بعدما اضطرت هذه الشركات إلى تقليص نشاطها أو إقفال بعض فروعها بفعل تداعيات هذه الحرب وتباطؤ الحركة الاقتصادية في عدد من القطاعات.
وهذه العودة، كما يصفها بعض الاقتصاديين، لا تحمل طابعًا فرديًا أو عابرًا، بل تعكس مؤشرات على تبدلات أوسع في سوق العمل الإقليمي، حيث باتت تداعيات التوترات السياسية والأمنية تنعكس مباشرة على الاستقرار الوظيفي للكوادر العربية العاملة في الخارج، ومن بينهم شريحة واسعة من اللبنانيين الذين لطالما شكّلوا عنصرًا أساسيًا في قطاعات الخدمات والإدارة والهندسة والتمويل في
دول الخليج.
ومع عودتهم إلى لبنان، يجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع اقتصادي بالغ التعقيد، في بلد لا يزال يعاني من أزمة بنيوية عميقة، تشمل انهيارًا في سوق العمل المحلي، وانكماشًا في فرص الاستثمار، وغيابًا شبه كامل لبيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الطاقات الشابة وذوي الخبرات، الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى البحث مجددًا عن فرص عمل خارجية، في أسواق عمل بديلة في
أوروبا وأفريقيا.
وتعكس هذه الظاهرة بوضوح حجم الارتباط العضوي بين الاقتصاد اللبناني والاقتصادات الخليجية، وهو ارتباط تاريخي لم ينقطع حتى في أشد مراحل التوتر السياسي بين لبنان وبعض
الدول العربية. فلبنان، الذي اعتمد لعقود طويلة على تحويلات المغتربين كأحد أبرز مصادر الدعم الاقتصادي، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ جديد يتمثل في تراجع قدرة هذه الشبكات على تأمين الاستقرار المالي للأسر اللبنانية.
في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون أن هذه العودة القسرية قد تتحول إلى فرصة مشروطة، إذا ما أُحسن استثمارها ضمن رؤية وطنية واضحة تقوم على إعادة دمج الكفاءات اللبنانية العائدة في سوق العمل المحلي، وخلق بيئة استثمارية مرنة تسمح بتحويل الخبرات المكتسبة في الخارج إلى قيمة مضافة داخل
الاقتصاد الوطني.
غير أن هذا السيناريو الإيجابي يبقى مرهونًا بإصلاحات بنيوية طال انتظارها، تبدأ بإعادة هيكلة القطاع العام، مرورًا بتحسين مناخ الأعمال، وصولًا إلى إعادة الثقة بالقطاع المصرفي والمالي، وهي عناصر لا تزال حتى الآن موضع تجاذب سياسي داخلي يحدّ من إمكانية تحقيق تقدم سريع.
وبين العودة القسرية والبحث مجددًا عن الهجرة، يجد كثير من اللبنانيين أنفسهم في حلقة مفرغة تعكس أزمة أعمق من مجرد فرص عمل، بل أزمة نموذج اقتصادي واجتماعي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وهكذا، تتحول عودة بعض العاملين من
الخليج من حدث فردي إلى مؤشر على مرحلة انتقالية دقيقة، يمر بها الاقتصاد اللبناني، بين ماضٍ كان فيه الاغتراب ركيزة أساسية للصمود، ومستقبل لا يزال غامضًا في ظل غياب رؤية إنقاذية شاملة.