كتب زياد سامي
عيتاني في" اللواء":اعتمدت
الرياض، خلال السنوات الماضية، سياسة حذرة قوامها رسائل سياسية ودعم مشروط، نتيجة تراجع ثقتها بقدرة المؤسسات
اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات وحماية القرار السيادي. لكن المؤشرات الحالية تعكس انتقالاً من موقع المراقب إلى موقع الشريك الفاعل، فقرار إعادة فتح الأسواق لا يمكن فصله عن الزيارات المتكررة للمسؤولين السعوديين والحضور المتنامي في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلاً ان تعيين سفير جديد للمملكة في
بيروت، لمواكبة المرحلة بمقاربة مختلف عن المرحلة السابقة. الفارق الجوهري عن تجارب الماضي هو أن الدعم لن يكون مفتوحاً أو غير مشروط، بل مرتبطاً بقيام دولة قادرة على اتخاذ القرار، وتنفيذ الإصلاحات، واستعادة ثقة المحيطين العربي والدولي. منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون، بنت الرياض علاقة ودّ معه، حتى بات نمطاً ثابتاً أن لقاءات الأمير يزيد تبدأ من
بعبدا وتنتهي فيها في كل زيارة. هذا التواصل يمتد إلى تنسيق لوجستي وسياسي دائم مع المستشار الرئاسي الأول العميد أندريه رحال، حول ملفات مفصلية: المفاوضات المباشرة، العلاقة مع
حزب الله، وتنسيق العمل بين الرؤساء الثلاثة.
هذه القناة المباشرة مع الرئاسة الأولى تعكس رغبة سعودية واضحة في إبقاء رئاسة الجمهورية مرجعية أساسية للتفاهمات
السعودية - اللبنانية، بعيداً عن تشتت القرار بين مراكز السلطة المختلفة؛ وهو خيار يحمل في طياته رسالة ضمنية حول الجهة التي تفضّل الرياض التعامل معها كمحاور أول.
أمام التحرك السعودي المتكامل، تقف
القوى السياسية اللبنانية أمام اختبار مباشر لقدرتها على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى إنجازات داخلية ملموسة. فالمعادلة التي ترسمها الرياض واضحة: الدعم متاح ومتدرج، لكنه مشروط بثلاثية الحفاظ على الترويكا الرئاسية متماسكة، وحماية حكومة سلام من أي اهتزاز، وإحراز تقدم فعلي في ملفي الإصلاح وحصر السلاح بيد الدولة، بما يحفظ صيغة
الطائف التي تراها الرياض الإطار الجامع لكل ما سبق. التلكؤ في تحقيق هذه الشروط، أو الانزلاق إلى صراعات داخلية بين مراكز القوى، قد يعني تراجع وتيرة الانفتاح السعودي وعودته إلى نمط الحذر السابق - وهو سيناريو تدركه الأطراف اللبنانية كافة، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن إدراك المخاطر لا يكفي دائماً لتفادي تكرارها.