كتب ابراهيم بيرم في "النهار":
الواضح أن الإسرائيلي و"حزب الله" يتقاطعان من خلال موقف كل منهما المعلن، على إرساء معادلة ميدانية على هامش المفاوضات الإيرانية - الأميركية الهادفة إلى تنفيذ البنود الـ14 التي نصّت عليها مذكرة التفاهم الموقعة بينهما والتي جعلت الوضع اللبناني جزءاً منها، نزولاً عند المشيئة الإيرانية. والحال أن إسرائيل تسعى جاهدة إلى تكريس بند حرية الحركة لجيشها في لبنان، الذي طبّقته بحذافيره عندما فرضت تفسيرها الخاص لاتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في 27 تشرين الثاني عام 2024، فأباحت لنفسها حرية ملاحقة كوادر "حزب الله"، كما أجازت لطائراتها الإغارة على أي منطقة تدرجها في خانة تحصينات الحزب ومخازنه وترسانته الصاروخية.
وليس خافياً أن إسرائيل تسعى أخيراً إلى إدخال بند جديد على هذه المعادلة عبر إعلان ما سمّته منطقة "الخط الأصفر"، وهي البقعة الجغرافية الجنوبية الممتدة على طول حدودها مع لبنان، التي توغلت فيها برّاً منذ 2 آذار الماضي وتقدّرها بخُمس مساحة الجنوب، ومن خلال الإعلان أنها لن توقف نشاطها العسكري فيها وعلى تخومها، بحجة منع أي هجمات عليها إبان هدنة الـ60 يوماً، وما يتخللها من مفاوضات بين الجانبين الإيراني - الأميركي، وحتى خلال المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن.
في المقابل، يبادر "حزب الله" إلى الإعلان على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وناطقين باسمه، أنه لن يقبل مطلقاً بأيّ أمر واقع يعيد عجلة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 2 آذار، أي قبل انخراطه مجدداً في المواجهات المباشرة مع الإسرائيليين بعد توقف استمر نحو سنة وخمسة أشهر. وعموماً، فإن إسرائيل والحزب يتصرفان على أساس أن الظروف غير مهيّأة عندهما لوقف النار في ميدان حربهما الضارية في الجنوب، بقطع النظر عن مآلات التفاوض بين واشنطن وطهران، إنفاذاً لمذكرة التفاهم المبرمة بينهما قبيل أيام. والحزب يرى عبر مصادر على صلة به، أن الإسرائيلي مضطر في المرحلة المقبلة إلى التعامل بسلبية مع أي اتفاق لوقف النار انطلاقاً من اعتبارين:
الأول أن عليه أن يخوض اختبار تحدٍّ مع الأميركي الذي وقّع مذكرة تفاهم مع الإيراني أتت على نقيض ما يرغب فيه ويتوقعه. الثاني أن عليه أن يكرّس معادلة ميدانية في الجنوب تشكل عامل ضغط إضافياً يمارسه على لبنان لفرض ترتيبات أمنية تكون وفق رؤيته وتخرج لبنان من دائرة الصراع معه وتمنع على الحزب إعادة إنهاض بنيته العسكرية لاحقاً. وبناءً على ذلك، تؤكد المصادر نفسها أنه يمكن أن يكون هناك خفض لمستوى التصعيد على الجبهة اللبنانية في مقبل الأيام، لكنّ وقفاً شاملاً للنار أمر يصعب بلوغه حالياً.
وكتب اسكندر خشاشو في" النهار": لم يكن كلام رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد عن مهلة الستين يوماً أمام إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية مجرد موقف إعلامي عابر، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي يستند إلى قراءة جديدة للتفاهم الأميركي - الإيراني المعلن قبل أيام، والذي فتح باباً واسعاً للتساؤل: هل أصبح الملف اللبناني جزءاً من التسوية الإقليمية الكبرى؟
فالرجل لم يتحدث عن "تمنٍ" لانسحاب إسرائيلي ولا عن ثمن لهذا الانسحاب، بل عن مهلة محددة زمنياً، وعن وجوب وقف كامل للأعمال العدائية براً وبحراً وجواً، ثم بدء الانسحاب "من دون مفاوضات مباشرة" وربما من دون مفاوضات بالأصل. هذه اللغة لا تشبه أدبيات التهديد التقليدية، بل توحي بأن الحزب يرى أن هناك إطاراً سياسياً جديداً وُضع فوق الطاولة، وأن لبنان بات مدرجاً ضمن خرائط إعادة ترتيب المنطقة بعد الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأخيرة.
من أين جاءت مهلة الشهرين؟
القراءة الأقرب إلى منطق الحزب تقول إن مهلة الستين يوماً ليست اختراعاً لبنانياً، بل هي مستمدة من الجدول الزمني التنفيذي للتفاهم الأميركي - الإيراني الذي يعطي فترة انتقالية لترجمة وقف النار إلى ترتيبات ميدانية وسياسية. من هنا يربط الحزب بين وقف الحرب الإقليمية وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. بهذا المعنى، يصبح كلام رعد رسالة مزدوجة: إلى إسرائيل بأن الوقت ليس مفتوحاً، وإلى الداخل اللبناني بأن الحزب يرى نفسه جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد طرف محلي يدير اشتباكاً حدودياً.
المشكلة أن تل أبيب لا تبدو مقتنعة بهذه القراءة. فالموقف الإسرائيلي المعلن ما زال يربط أي انسحاب كامل من جنوب لبنان بضمانات أمنية صارمة، ونزع سلاح "حزب الله". بل إن دوائر إسرائيلية عدة تكرر أن ما جرى بعد حرب تموز 2006 لن يتكرر، وأن الانسحاب هذه المرة لن يكون منفصلاً عن ترتيبات ميدانية تضمن أمن الحدود الشمالية.
وهنا تحديداً تظهر العقدة: الحزب يتحدث عن انسحاب غير مشروط، وإسرائيل عن انسحاب مشروط بالأمن.
والأخطر في المشهد أن الدولة اللبنانية نفسها تبدو في موقع المراقب أكثر من موقع الشريك. فالرئاسة والحكومة تتحركان على قاعدة دعم وقف النار وتطبيق القرار القرار 1701 وانتشار الجيش اللبناني، لكنهما لم تعلنا حتى الآن أن مهلة الستين يوماً جزء من التزام دولي ملزم لإسرائيل. وهذا يعني أن هناك فجوة بين ما يراه "حزب الله" نتيجة مباشرة للتفاهم الأميركي - الإيراني، وما تعدّه الدولة اللبنانية والجهات الدولية إطاراً عاماً للتهدئة من دون تفاصيل تنفيذية واضحة. السؤال الحقيقي ليس هل تنسحب إسرائيل خلال شهرين؟ بل هل لبنان دخل فعلاً مرحلة تُدار فيها حدوده الجنوبية ضمن تفاهمات أميركية - إيرانية أوسع من القرار 1701 نفسه؟
إذا كان الحزب محقاً في قراءته، فإن المنطقة تتجه إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك تحت مظلة تفاهم دولي - إقليمي جديد. أما إذا كانت إسرائيل محقة في رفضها هذه القراءة، فإن مهلة الستين يوماً قد تتحول إلى موعد اختبار خطير: اختبار لقدرة الديبلوماسية على فرض الانسحاب، ولقدرة لبنان على تجنب العودة إلى دوامة التصعيد..