ذكرت صحيفة "The Telegraph"
البريطانية أنه "ثمة حالةٌ جديرةٌ بالدراسة في
الشرق الأوسط المعاصر، تتمثل في الأكراد، وهم شعبٌ يزيد تعداده عن أربعين مليون نسمة، حُرموا من دولتهم لأكثر من قرن، وقد تم تجاهل محنتهم إلى حدٍ كبير من قِبل
وسائل الإعلام الغائبة، والناشطين الجامعيين اللامبالين، والمتظاهرين الغائبين، والأمم المتحدة الصامتة، وممارسي الانتقائية في الغضب في الدول الغربية الذين يدّعون نصرة المظلومين".
وبحسب الصحيفة: "كان من الممكن قيام دولة كردية بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية على يد قوات الحلفاء قبل قرن من الزمان، وقد رُسمت ملامح هذا المسار في معاهدة سيفر لعام 1920، التي تناولت مستقبل الأراضي التي كانت خاضعة للحكم العثماني، كما وتم الاعتراف بالهوية والتطلعات الكردية، إلا أنها لم تُترجم إلى واقع ملموس. بدلاً من ذلك، قُسّمت الأراضي ذات الأغلبية الكردية، أو كردستان كما كانت تُسمى، بين ما أصبح يُعرف اليوم بإيران والعراق وسوريا وتركيا. وفي أعقاب الحرب، أعاد الدبلوماسيون ورسامو الخرائط في لندن وباريس رسم الحدود، وأنشأوا دولاً جديدة، وحددوا مناطق نفوذ كما لو كانت المنطقة ملكاً خاصاً بهم. ولم يُؤخذ في الحسبان، في هذا المخطط الجيوسياسي الأوسع، أن الأكراد شعبٌ متميز، له تاريخه وهويته ولغته وثقافته الخاصة. لقد حُكم عليهم بمصير مأسوي حرمهم من السيادة الوطنية لأكثر من قرن".
وتابعت الصحيفة: "مع ذلك، أظهر الأكراد مرونة ملحوظة، رافضين التخلي عن تطلعاتهم أو التخلي عن رغبتهم في الحرية، حتى في مواجهة الاضطهاد الدوري وقمع اللغة والهوية والثقافة، وفي العراق، الإبادة الجماعية خلال حملة الأنفال التي شنها صدام حسين. في الواقع، بفضل شجاعة وبسالة الأكراد، لجأت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى إليهم طلباً للمساعدة الحاسمة عند الحاجة، بما في ذلك في النضال ضد نظام صدام حسين، ولاحقاً ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم انسحبت عندما لم تعد هناك حاجة للدعم الكردي. هذا الشعور بالتدخل المتقطع من جانب الآخرين يُفسر المثل الكردي: "لا أصدقاء إلا الجبال"؛ إلا أن الاستهداف المستمر للأكراد لم يلفت انتباه أولئك الذين يدّعون أنهم مناصرون للمضطهدين في الغرب. في الحقيقة، ينبغي أن تستوفي القضية الكردية كل الشروط اللازمة، ضحايا إبادة جماعية موثقة، وأهداف لهجمات بالأسلحة الكيميائية، وعطش لتقرير المصير، وسعي للتحرر، ومع ذلك لا يوجد أي استنكار، ولا أساطيل، ولا حملات، ولا تضامن، لا شيء على الإطلاق. لماذا؟"
وأضافت الصحيفة: "لماذا، على سبيل المثال، يستحوذ ما يقرب من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على اهتمام الكثيرين، بينما لا يستحوذ على اهتمام أكثر من 40 مليون كردي؟ لماذا لا يزال
الفلسطينيون، الذين رفض قادتهم العديد من مقترحات إقامة الدولة التي تعود إلى لجنة بيل عام 1937، يحظون بجمهور متحمس يطالب بدولة فلسطينية، في حين أن ما يقرب من 93% من الأكراد في العراق، الذين صوتوا لصالح الاستقلال في استفتاء غير ملزم عام 2017، قد تم رفضهم من قبل الحكومة المركزية العراقية المدعومة من
إيران وتجاهلهم الغرب إلى حد كبير؟ يزعم البعض أن لدى الأكراد توقعات غير واقعية؛ فهم يعيشون في أربع دول قائمة، لذا فإن تغيير الحدود ليس خياراً مطروحاً. حقاً؟ هل يجب احترام الحدود التي رسمتها قوى استعمارية بعيدة قبل قرن من الزمان إلى الأبد، حتى لو تجاهلت هذه القوى الواقع على الأرض باستخفاف لتحقيق مصالح جيوسياسية أنانية؟"
وبحسب الصحيفة: "في الواقع، الحدود يمكن أن تتغير، والأمثلة الأخيرة كثيرة. لقد انهار الاتحاد السوفييتي، وحلت محله 15 دولة؛ انهارت يوغوسلافيا وظهرت سبع دول ذات سيادة؛ وشهدت تشيكوسلوفاكيا، وهي دولة أخرى نشأت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، "طلاقاً مخملياً" بين مكوناتها التشيكية والسلوفاكية؛ ونشأ جنوب السودان كدولة مستقلة عن السودان؛ وكذلك الأمر بالنسبة لإريتريا من إثيوبيا، وتيمور الشرقية من إندونيسيا؛ وفي الوقت نفسه، عملت أرض الصومال كدولة مستقلة بحكم الأمر الواقع بعيداً عن الصومال لأكثر من ثلاثة عقود، على الرغم من افتقارها إلى الاعتراف الدولي الواسع النطاق حتى الآن".
وتابعت الصحيفة: "اليوم، تُقدّم حكومة إقليم كردستان في شمال العراق أقوى حجة لاستقلال كردستان؛ فهي، بلا شك، أفضل أجزاء العراق من حيث الحكم، وأكثرها انفتاحاً، وأكثرها تنوعاً، ونموذج نادر للقيم التقدمية في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وتُعدّ حقوق المرأة، والحرية الدينية، والانفتاح على الغرب، من أبرز سمات هذه المنطقة التي يزيد عدد سكانها عن ستة ملايين نسمة. ولهذا السبب تحديداً، تُصرّ حكومة العراق في بغداد وإيران المجاورة على إبقاء حكومة إقليم كردستان تحت سيطرتهما، واللجوء إلى العنف والضغط الاقتصادي عند الضرورة. ومع ذلك، لم يُثر هذا الأمر غضب من يُنصّبون أنفسهم حُكّاماً أخلاقيين في الغرب".
وأضافت الصحيفة: "في نهاية المطاف، ربما يكون التفسير الأكثر ترجيحاً لهذه اللامبالاة تجاه محنة الأكراد وآمالهم بسيطاً للغاية. قد تبدو قصة الأكراد أكثر تعقيداً من الخارج. فالخصوم يشملون العرب والإيرانيين والأتراك، ولكن ليس اليهود والإسرائيليين، مما يجعل من الصعب، وربما غير المريح، الاندماج في الأطر الأيديولوجية السائدة والمعتقدات التقليدية. والنتيجة هي تفاوت صارخ؛ فإحدى الحركات الوطنية تجذب اهتماماً عالمياً هائلاً، وتظاهرات لا تنتهي، وتأييداً من المشاهير، واعتصامات في الجامعات، وحملات دولية. أما الأخرى، فرغم أنها تمثل عدداً أكبر بكثير من السكان، وفي حالة العراق، عانت من الإبادة الجماعية، إلا أنها لا تحظى باهتمام مماثل. إذن، السؤال الحقيقي هو لماذا لم يجذب شعب يزيد عدده عن 40 مليون نسمة، حُرم من الدولة لأكثر من قرن وتعرض لموجات متكررة من القمع، سوى القليل من الحماس الأخلاقي الذي تم حشده في أماكن أخرى؟"
وختمت الصحيفة: "إلى أن تتم مواجهة هذا السؤال بصدق، ستظل مزاعم المبادئ العالمية، ودعم حق تقرير المصير وحركات التحرر الوطني، والاهتمام بحقوق الإنسان، مجرد كلام أجوف".