يبدو أن لبنان يعود من جديد إلى لحظة اختبار كبرى، لكن بأدوات مختلفة وظروف أكثر تعقيداً. فالتشابه بين ما يُعرف بـ "اتفاق الإطار" الذي وُقّع في واشنطن وبين اتفاق 17 أيار 1983 لا يكمن في النصوص أو التفاصيل التقنية، بل في الفكرة نفسها، أي محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل تحت رعاية دولية، وفي قلب توازنات داخلية شديدة الحساسية.
لكن عند التدقيق، يتبيّن أن المقارنة بين المحطتين ليست سهلة، بل قد تكون معقدة إذا لم تُقرأ في سياقها التاريخي والسياسي الكامل. فـ17 أيار كان اتفاقاً نهائياً تقريباً، صيغ كترتيب سياسي – أمني شامل بعد الاجتياح
الإسرائيلي للبنان عام 1982، وُضع على طاولة التنفيذ بوصفه إطاراً لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. أما "اتفاق الإطار" في واشنطن، وفق المعطيات المتداولة، فلا يزال في مرحلة مختلفة تماماً، بحيث إنه ليس نهاية مسار، بل بدايته، وليس تسوية مكتملة، بل خارطة طريق مفتوحة على احتمالات متعددة.
في 1983، كان لبنان يعيش تحت وقع
الاحتلال الإسرائيلي المباشر لجزء كبير من أراضيه، وفي ظل انهيار بنيوي للدولة وتعدد مراكز القوى خلال الحرب الأهلية. أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً، أي أن الدولة منهكة اقتصادياً ومؤسساتياً، لكنها ليست غائبة، مقابل توازن ردع قائم على الأرض بين
إسرائيل و"
حزب الله"، يجعل أي تسوية أو تفاهم جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد قرار لبناني داخلي أو إسرائيلي منفرد.
هنا تحديداً تتبدل طبيعة "اللعبة". فـ17 أيار سقط لأنه وُلد في لحظة اختلال شامل، وحاول فرض تسوية نهائية في بيئة غير قابلة لهضمه. أما "اتفاق الإطار"، فهو لا يطرح نفسه كحل نهائي، بل كمسار تدريجي لإدارة الصراع، ما يجعله أقل اصطداماً بالشكل، وأكثر حساسية في المضمون.
في هذا السياق، يبرز العامل السوري كأحد أبرز الفوارق البنيوية بين المرحلتين. ففي مطلع الثمانينيات، كانت
سوريا "لاعباً" مركزياً في الساحة
اللبنانية، تمتلك نفوذاً مباشراً على القرار السياسي والعسكري، وقادرة على تعطيل أو إسقاط أي تسوية لا تتوافق مع حساباتها الإقليمية. يومها، لم يكن أي اتفاق يتعلق بلبنان وإسرائيل قابلاً للحياة من دون المرور عبر
دمشق، التي كانت تعتبر نفسها صاحبة "حق الفيتو" غير المعلن على الترتيبات اللبنانية. وهذا ما جعل الموقف السوري آنذاك عاملاً حاسماً في الضغط السياسي والميداني الذي ساهم في إسقاط اتفاق 17 أيار ومنع تثبيته.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة جذرياً. فالدور السوري المباشر في لبنان تراجع إلى حد كبير نتيجة التحولات الإقليمية الكبرى، ما جعل دمشق أقل قدرة على لعب دور "الفيتو الإقليمي" في تفاصيل التسويات اللبنانية –
الإسرائيلية. هذا الغياب لا يعني انعدام التأثير كلياً، لكنه يعني أن المعادلة لم تعد تمر حصراً عبر البوابة
السورية كما كان الحال في الثمانينيات.
في المقابل، انتقل جزء من هذا الدور إلى أطراف إقليمية ودولية أخرى، تتصدرها
إيران والولايات المتحدة، في مشهد أكثر تشابكاً وتعددية في مراكز التأثير. وهو ما يجعل أي اتفاق جديد، مثل "اتفاق الإطار"، محكوماً بتوازنات أوسع بكثير من تلك التي حكمت مرحلة 1983، حيث كان عامل إقليمي واحد قادراً على ترجيح الكفة أو إسقاط التسوية.
غير أن الفارق الأهم يكمن في موقع القوى الداخلية. في 1983، لم يكن "حزب الله" "لاعباً" مركزياً في المعادلة، وكانت القوى الرافضة للاتفاق متعددة ومتشظية، ما جعل إسقاطه ممكناً عبر ضغط داخلي – إقليمي واسع. أما اليوم، فإن أي مسار مشابه لا يمكن أن يتجاهل وجود قوة لبنانية – إقليمية منظمة تمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً مباشراً في معادلة الجنوب، ما يجعل أي تفاهم خارجي محكوماً بتوازنات الداخل منذ لحظة ولادته، لا لاحقاً.
أما في المقلب الأميركي، فالمفارقة لا تقل دلالة. ففي 1983، كانت واشنطن تدفع في اتجاه تسوية شبه نهائية تعكس رؤية لإغلاق ملف الصراع سريعاً بعد الاجتياح. أما اليوم، فيبدو الدور الأميركي أقرب إلى إدارة مفتوحة للنزاع، لا إلى إقفاله، عبر هندسة مراحل متتالية تبدأ بترتيبات ميدانية ولا تنتهي عند صيغة سياسية نهائية واضحة المعالم.
هذا التحول يعكس تغييراً أعمق في طريقة إدارة الصراعات في
الشرق الأوسط، بدءًا من فرض الحلول الكبرى إلى تفكيكها إلى خطوات صغيرة قابلة للاختبار والتعديل. لكن هذا الأسلوب، على رغم مرونته، لا يلغي المخاطر، بل يؤجل انفجارها أو يعيد توزيعها.
فالتجربة اللبنانية تُظهر أن أي تسوية تُبنى خارج توازن داخلي واضح سرعان ما تتحول إلى أزمة داخلية. وهذا ما حصل في 17 أيار، حين اصطدمت التسوية بواقع سياسي وميداني رفضها وأسقطها، ليس فقط لأنها "اتفاق مع إسرائيل"، بل لأنها لم تنجح في إنتاج غطاء داخلي جامع لها.
اليوم، لا يبدو أن السؤال تغيّر كثيراً، حتى لو تغيّرت الأشكال. فالمسألة ليست في ما إذا كان "اتفاق الإطار" يشبه 17 أيار أو يختلف عنه، بل في قدرة لبنان على استيعاب أي مسار تفاوضي من هذا النوع ضمن بنيته الداخلية الهشة والمعقدة.
وبين التجربتين، يبقى الدرس نفسه تقريباً، إذ أن أي اتفاق خارجي يمكن أن يصمد إذا لم يتحول إلى جزء من توازن داخلي قابل للحياة. وإلا فإن المسافة بين "الإطار" و"السقوط" قد تكون أقصر مما يتوقعه صانعوه.
ما هو ظاهر أن لبنان لا يبدو اليوم أمام تكرار حرفي لتجربة 1983، لكنه بالتأكيد أمام اختبار مشابه في الجوهر. فهل يمكن إنتاج تسوية في منطقة لا تزال تعيد تعريف الحرب والسلم معاً، أم أن كل إطار يُرسم في الخارج سيبقى معلقاً حتى يمرّ أول اختبار حقيقي في الداخل؟