لم يعد الجدل الدائر في
لبنان حول اتفاق الإطار مجرد انقسام سياسي بين مؤيد ومعارض، بل تحول إلى نقاش يتصل بطبيعة المرحلة التي يدخلها لبنان، وبالموقع الذي يُراد له ضمن التوازنات الإقليمية الجديدة. فالملف بات جزءاً من شبكة تفاهمات إقليمية ودولية تتداخل فيها المصالح الأميركية والإيرانية والعربية، في إطار إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بعد الحرب.
وتتعامل
الولايات المتحدة مع ملف لبنان باعتباره أحد عناصر إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، لذلك تركز بصورة أساسية على استكمال ملف الانسحاب
الإسرائيلي وترتيبات ما بعد الحرب، من دون أن تقتصر مقاربتها على المسار اللبناني – الإسرائيلي وحده، إذ تتقاطع هذه المقاربة مع حراك إقليمي أوسع يهدف إلى خفض مستوى التوتر بين
إيران وعدد من الدول العربية والإقليمية، بما يهيئ لمرحلة أكثر استقراراً في المنطقة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى المسار الرباعي الذي يضم مصر وتركيا وقطر وباكستان باعتباره مدخلاً إلى حوار عربي – إيراني أوسع، قد ينعكس إيجاباً على الساحة
اللبنانية إذا ما أفضى إلى تفاهمات إقليمية تخفف احتمالات التصعيد العسكري وتؤسس لمرحلة من التهدئة.
وفي موازاة ذلك، فإن اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها خلال مفاوضات جنيف، وتضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان لمتابعة تنفيذ ترتيبات إنهاء الحرب، لم تعقد اجتماعها الأول بعد، لكن من المرجح أن يعقد بعد انتهاء مراسم تشييع المرشد
الإيراني علي خامنئي. ومع ذلك، لا تزال المعلومات متضاربة بشأن الموقف اللبناني، إذ تشير بعض المعطيات إلى أن
بيروت ستسمي ممثلها فور تحديد موعد الاجتماع المقبل، فيما تؤكد معلومات أخرى أن لبنان لم يحسم مشاركته ولم يسمِّ حتى الآن ممثله في اللجنة.
وعليه، تتصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في آلية تفاوض واشنطن، انطلاقاً من اعتبار أن هذه الصيغة باتت تثير إشكاليات سياسية وقانونية متزايدة، ولا سيما بعدما أصبحت
إسرائيل عملياً صاحبة الكلمة الفصل في تقييم مدى تنفيذ الالتزامات الأمنية، الأمر الذي يضع لبنان أمام معادلة تفاوضية غير متوازنة.
ويرى منتقدو الاتفاق أن هذا المسار لا يوفر ضمانات كافية لحماية السيادة، بل قد يحوّل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم، بما يستدعي، برأيهم، العودة إلى إطار تفاوضي أكثر توازناً يستند إلى مرجعيات القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة.
ولا تقتصر الاعتراضات على آليات التنفيذ، بل تمتد إلى جوهر الاتفاق نفسه. فالمعارضون يعتبرون أن صيغته الحالية لا تتضمن التزاماً إسرائيلياً واضحاً بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، كما تخلو من جدول زمني ملزم لإنهاء الاحتلال، ما يجعل تنفيذها عرضة للتفسيرات السياسية المتباينة.
ويستند الاتفاق إلى إنشاء "مناطق تجريبية" ينتشر فيها الجيش بصورة تدريجية، على أن يُقيَّم نجاح هذه التجربة وفق معايير ترتبط بالموقف الإسرائيلي. ويخشى معارضو الاتفاق أن تتحول هذه الآلية إلى مرحلة انتقالية مفتوحة تسمح لإسرائيل بالإبقاء على وجودها العسكري بذريعة عدم اكتمال الشروط الأمنية، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى إطالة أمد الاحتلال بصيغة مختلفة.
كما يحذر هؤلاء من أن اعتماد مفهوم "المناطق التجريبية" قد ينعكس أيضاً على الداخل، عبر اثارة انقسامات سياسية وأمنية جديدة، بدلاً من تكريس الاستقرار الذي يفترض أن يشكل الهدف الأساسي لأي تسوية.
ومن أبرز الملاحظات التي يسجلها المعارضون غياب أي إشارة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي يعتبرونها المرجعية القانونية الطبيعية لتنظيم العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل. ويرون أن استبعادها يشكل خطأً سياسياً وقانونياً، لأنه يستبدل إطاراً دولياً قائماً بتفاهمات جديدة قابلة لتفسيرات مختلفة، وقد يفضي إلى التزامات غير متوازنة بين الطرفين.
ومن هنا، تعود إلى الواجهة المقارنة مع اتفاق 17 أيار. ويشير منتقدو الاتفاق الحالي إلى أن اتفاق 17 أيار، رغم كل الجدل الذي أحاط به، نص بوضوح على انسحاب الجيش الإسرائيلي، في حين أن الاتفاق الإطاري الحالي لا يتضمن التزاماً مماثلاً، الأمر الذي يفتح الباب أمام استمرار الاحتلال بأشكال مختلفة.
في المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أن هدفه الأساسي يتمثل في وقف الحرب ومنع اندلاع مواجهة جديدة، على أن تعالج الملفات العالقة في مراحل تفاوضية لاحقة. إلا أن هذا الطرح يصطدم باستمرار المواقف
الإسرائيلية التي تؤكد احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري داخل الأراضي اللبنانية، وربط أي انسحاب باعتبارات أمنية تحددها الحكومة الإسرائيلية، وهو ما يثير شكوكاً واسعة بشأن جدية تحويل الاتفاق إلى تسوية نهائية. وقد تعززت هذه الشكوك مع إعلان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في لبنان، وهو ما اعتبره معارضو الاتفاق مؤشراً إضافياً إلى غياب أي ضمانة فعلية لإنهاء الاحتلال بصورة كاملة.
في المقابل، يقود رئيس الجمهورية جوزاف عون حملة الدفاع السياسي عن الاتفاق، فأكد تمسكه بالاتفاق، معتبراً أنه يشكل إطاراً عاماً أكثر منه اتفاقاً نهائياً، وأن البديل عنه هو استمرار الحروب والانزلاق إلى مزيد من الدمار، مؤكداً أن الظروف التي أدت إلى إسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983 لم تعد قائمة، ونافياً وجود أي رهان على انقسام المؤسسة العسكرية.
في الخلاصة، يبقى نجاح اتفاق الإطار رهناً بتوافر ضمانات واضحة وملزمة تكفل الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتحفظ السيادة. وحتى تتوافر هذه الضمانات، سيظل موضع سجال سياسي وقانوني، وستبقى علامات الاستفهام تحيط بقدرته على التحول من إطار مؤقت إلى تسوية مستدامة.