يُعتبر إصرار "حزب الله" على البقاء في مواقع القتال وفي الأنفاق التي لم تعثر عليها إسرائيل حتّى الآن، من أبرز العقبات التي قد تحول دون تنفيذ لبنان لاتّفاق الإطار الذي وقّعه الوفد اللبنانيّ مع تل أبيب في واشنطن، ما قد يُفجّر الوضع الأمنيّ من جديد، إنّ لم يتمّ نزع سلاح "الحزب" أقلّه في "المناطق التجريبيّة" قريباً.
فبالنسبة إلى "حزب الله"، فإنّ إتّفاق الإطار يُشكّل ضربة كبيرة للبنان ليس فقط لأنّه أعطى إسرائيل الحقّ في البقاء داخل "الخطّ الأصفر"، وفي التحرّك ضدّ أيّ تهديد أمنيّ، وإنّما لأنّه فصل البلاد عن
إيران، بينما تعمل الأخيرة على ربط الملف اللبنانيّ بالمُفاوضات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، لإنهاء الحرب في
الشرق الأوسط، وضمان مُستقبل "الحزب" وأذرعها في المنطقة.
وحتّى الآن، لم تبدأ إسرائيل الإنسحاب من بعض المناطق، التي قِيلَ إنّها ستكون ضمن البلدات التجريبيّة التي سيدخلها الجيش، من أجل السيطرة عليها و"تطهيرها" من مسلّحي "حزب الله"، بانتظار بلورة الإتّصالات في الأيّام المُقبلة مع الجانب الأميركيّ، وربط هذا الأمر بجهوزيّة المؤسسة العسكريّة لنزع السلاح، بالتوازي مع عدم الرغبة في الإصطدام مع "الحزب"، لتلافي أيّ توتّر في الشارع مع الطائفة الشيعيّة.
وليس من المتوقّع أنّ يترك "حزب الله" الميدان للجيش، إنّ لم تنحسب إسرائيل من المناطق والبلدات التي تحتلّها بشكلٍ نهائيّ. فهو أبدى إستعداده للتراجع إلى شمال الليطاني، مقابل عودة القوّات الإسرائيليّة إلى داخل فلسطين المحتلّة. أما عكس ذلك، إضافة إلى استمرار
الغارات والقصف وأعمال التفجير، فيعني أنّ "الحزب" سيُبقي على إنتشاره في البلدات التي يوجد عناصره في داخلها، ولن يتعاون مع الحكومة اللبنانيّة ومع رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون لتطبيق إتّفاق الإطار.
كذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ إسرائيل تُركّز على السيطرة على تلّة علي الطاهر الإستراتيجيّة، ويتخوّف "حزب الله" من الإنسحاب من مواقعه الدفاعيّة، بينما ليس هناك من ضمانة من أنّ الجيش الإسرائيليّ سيُوقف تقدّمه وإحتلاله للمزيد من القرى والنقاط المهمّة في الجنوب. من هنا، لا يثقّ "الحزب" في أنّ تل أبيب ستتقيّد باتّفاق الإطار الذي أعطاها حريّة الحركة في لبنان، إنّ سلّم أماكن وجوده إلى الجيش، وأبرز دليلٍ على ذلك، خرق القوّات الإسرائيليّة لاتّفاقيّة وقف إطلاق النار المُوقّعة في 27 تشرين الثاني 2024، بينما ظلّ طوال أشهرٍ يحترم الهدنة، إلى أنّ اتّخذ القرار بـ"إسناد إيران" في 2 آذارالماضي.
إذاً، يُمكن القول إنّ مُعارضة "حزب الله" لاتّفاق الإطار ليست فقط سياسيّة، بل عسكريّة أيضاً، لأنّه يُريد المُحافظة على خطوط دفاعه وعلى الأماكن التي يُخزّن فيها صواريخه وطائراته المسيّرة، إلى حين تحقيق الإنسحاب الإسرائيليّ الكامل من الأراضي اللبنانيّة.
ومن وُجهة نظر "حزب الله"، لا يتحقّق الإنسحاب الإسرائيليّ الكامل إلّا بضغط
دونالد ترامب على رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، لإنجاح المُباحثات مع إيران. فإذا رضخ الرئيس الأميركيّ للبند الأوّل من المُعاهدة مع طهران، الذي يشمل وقف الأعمال الحربيّة في لبنان، فإنّ الجيش الإسرائيليّ سينسحب من دون الإشتراط بنزع السلاح غير الشرعيّ، بينما الإتّفاق اللبنانيّ – الإسرائيليّ الأخير في واشنطن، يُلزم الحكومة اللبنانيّة بحصر السلاح وبسط سيطرتها على كامل أراضيها، في مُقابل جلاء القوّات الإسرائيليّة من الجنوب.