كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية ملامح خطة متعددة المسارات تعمل عليها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل ولبنان، بهدف نزع سلاح "حزب الله"، في وقت ترى فيه واشنطن أن التطورات التي أعقبت الحرب الأخيرة خلقت فرصة لإعادة رسم المشهد الأمني في جنوب لبنان، رغم إقرارها بأن المهمة ستكون معقدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر.
وبحسب التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24"، فإن الضربات التي تعرض لها "حزب الله" خلال العامين الماضيين، إلى جانب تنامي الأصوات اللبنانية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، دفعت المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين واللبنانيين إلى البحث عن آليات جديدة لمعالجة ملف سلاح الحزب، إلا أن وجوده المتجذر داخل المجتمع اللبناني واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب يجعلان أي خطة للتنفيذ تواجه تحديات كبيرة.
الجيش اللبناني.. حجر الأساس
وأشار التقرير إلى أن الخطة الأميركية تضع الجيش اللبناني في صدارة عملية فرض سلطة الدولة، من خلال تدريب وحدات نخبوية وتجهيزها وإخضاعها لتدقيق أمني، تمهيداً لتوليها المسؤولية الأمنية في المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي تدريجياً.
وذكر أن عملية التسليم ستتم على مراحل، بحيث يتولى الجيش اللبناني السيطرة على البلدات الجنوبية الواحدة تلو الأخرى، قبل أن تنتقل الوحدات التي اجتازت التدقيق الأمني إلى مرحلة التعامل مع ملف سلاح "حزب الله"، بما في ذلك استخدام القوة إذا استدعت الظروف ذلك.
ولفت التقرير إلى أن المرحلة الأولى من هذه الآلية بدأت بالفعل، مع انطلاق عمليات تهدف إلى تمكين الجيش اللبناني من استعادة السيطرة على ثلاث قرى جنوبية، بعدما توصل لبنان وإسرائيل خلال محادثات مباشرة في روما إلى تفاهمات حول آلية نقل المسؤوليات، رغم استمرار الغموض بشأن موعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
غير أن التنفيذ الميداني شهد توتراً منذ بدايته، بعدما أعلن الجيش اللبناني تعرض قواته لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي خلال انتشارها في إحدى البلدات، فيما قالت إسرائيل إن القوات اللبنانية دخلت منطقة خارج نطاق التسليم، وإن جنودها أطلقوا أعيرة تحذيرية لإبعادها.
تحديات سياسية وأمنية
ورأى التقرير أن نجاح الخطة لا يرتبط بالجانب العسكري فحسب، بل يواجه عقبات داخلية معقدة، أبرزها رفض كثير من العسكريين اللبنانيين الظهور بمظهر المنفذ لأجندة إسرائيل، فضلاً عن عدم رغبة عدد منهم في مواجهة مواطنين لبنانيين، إضافة إلى وجود متعاطفين مع "حزب الله" داخل بعض المؤسسات الأمنية، وفق ما أوردته الصحيفة.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن منتقدي الخطة يشككون في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عملية تدقيق أمني فعالة داخل الجيش اللبناني، ويحذرون من أن ذلك قد يؤدي إلى انقسامات طائفية أو سياسية داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة تجنبت لعقود أي مواجهة عسكرية مباشرة مع "حزب الله" خشية انزلاق البلاد إلى صراع داخلي.
وفي المقابل، يؤكد "حزب الله" أنه سيواجه أي قوة تتحرك ضده، معتبراً أن أي محاولة مدعومة من الخارج لنزع سلاحه ستقابل برد عسكري.
دمشق على الطاولة
ولم يقتصر التقرير على الخيار اللبناني، إذ أشار إلى أن الرئيس الأميركي
دونالد ترامب يطرح أيضاً إمكانية اضطلاع
سوريا بدور في تضييق الخناق على "حزب الله"، عبر تشديد الرقابة على الحدود ومنع تهريب الأسلحة القادمة من
إيران، في ظل اعتبار واشنطن أن دمشق كانت لسنوات ممراً رئيسياً لإمدادات الحزب.
إلا أن الصحيفة رأت أن أي دور عسكري سوري مباشر داخل لبنان سيواجه رفضاً واسعاً، نظراً إلى الإرث الذي تركه الوجود العسكري السوري في البلاد، إضافة إلى أن القيادة
السورية الجديدة تبدو منشغلة بتثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء علاقاتها الخارجية، وهو ما يجعل انخراطها في مواجهة داخل لبنان خياراً شديد الحساسية.
إسرائيل.. القوة وحدها لا تكفي
وفي تقييمها للخيار الإسرائيلي، أشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات مؤثرة إلى البنية العسكرية لـ"حزب الله"، واستنزفت جزءاً كبيراً من قدراته الصاروخية، فضلاً عن تحقيق اختراقات استخباراتية واسعة داخل الحزب.
لكن التقرير اعتبر أن هذه الإنجازات لا تعني بالضرورة القدرة على نزع سلاح الحزب بالكامل، إذ يرى خبراء أن التجارب السابقة، ولا سيما في
قطاع غزة، أظهرت أن التفوق العسكري وحده لا يؤدي إلى إنهاء تنظيمات مسلحة تتمتع بقاعدة اجتماعية وتنظيمية راسخة.
وأضاف أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين يرون أن تحقيق هدف نزع سلاح "حزب الله" يتطلب تعاوناً مباشراً من الدولة اللبنانية، وأن العمل العسكري الإسرائيلي، مهما توسع، لن يكون كافياً لتحقيق هذه الغاية بمفرده.
خيارات صعبة.. وحل بعيد
وخلصت "وول ستريت جورنال" إلى أن كل السيناريوهات المطروحة، سواء الاعتماد على الجيش اللبناني، أو إشراك سوريا في تضييق الخناق على الحزب، أو توسيع العمليات العسكرية
الإسرائيلية، تنطوي على مخاطر كبيرة وتحديات معقدة، ما يجعل نزع سلاح "حزب الله" عملية طويلة تتجاوز الحلول العسكرية المباشرة، وتحتاج إلى مسار سياسي وأمني متكامل تشارك فيه أطراف عدة.