لطالما شكّل قانون حماية المستهلك الإطار الأساسي لتنظيم العلاقة بين المواطن والجهات التجارية، إلا أن التحولات الاقتصادية الكبيرة التي شهدها
لبنان خلال السنوات الأخيرة كشفت عن ثغرات حدّت من قدرته على أداء دوره الرقابي بالشكل المطلوب.
فمع الانهيار المالي وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، فقدت العديد من
العقوبات والغرامات المفروضة على المخالفين قيمتها الفعلية، ولم تعد تشكّل عامل ردع كافٍ أمام بعض التجاوزات التي طالت الأسواق والأسعار وجودة السلع والخدمات.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتزايد الحاجة إلى حماية المستهلك من أي ممارسات قد تزيد من أعبائه، برزت ضرورة إعادة النظر في القانون وتحديث أدواته بما يتلاءم مع الواقع الاقتصادي الجديد.
فالتحدي لم يعد مرتبطًا فقط بوجود نصوص قانونية تنظّم المخالفات، بل بمدى فعالية هذه النصوص وقدرتها على فرض الالتزام ومحاسبة المخالفين، خصوصًا في ظل صعوبة ضبط الأسواق واتساع رقعة التجاوزات.
من هنا جاء تعديل قانون حماية المستهلك كخطوة تهدف إلى تعزيز دور الجهات الرقابية، وتشديد العقوبات، وتطوير آليات متابعة المخالفات، بما يعيد الثقة بين المواطن والسوق، وينقل المنظومة الرقابية من إطار محدود الفعالية إلى أدوات أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية.
لكن هل سيتمكن القانون المعدّل من إحداث تغيير فعلي في واقع الأسواق، والحد من المخالفات التي أثقلت كاهل المواطنين خلال السنوات الماضية؟
في هذا السياق، أكد مدير عام
وزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر في حديث لـ "
لبنان 24"، أن تعديل قانون حماية المستهلك يشكل خطوة أساسية لتعزيز الرقابة على الأسواق ورفع مستوى الردع بحق المخالفين، مشيرًا إلى أن القانون يأتي في مرحلة اقتصادية صعبة تراجعت فيها القدرة الشرائية للمواطنين وتفلّتت الأسعار بفعل الأزمة المالية.
عقوبات أكثر تشددًا لإعادة فعالية الردع القانوني
وأوضح أبو حيدر أن تشديد الغرامات التي قد تصل إلى 70 ضعف الحد الأدنى للأجور يشكل عنصرًا أساسيًا في إعادة فعالية العقوبات، بعدما فقدت الغرامات القديمة تأثيرها الرادع نتيجة التضخم وتراجع قيمة العملة.
وقال إن بعض التجار كانوا في السابق يتعاملون مع الغرامة ككلفة بسيطة مقارنة بالأرباح غير المشروعة التي كانوا يطمحون إلى تحقيقها، أما اليوم فإن ارتفاع قيمة العقوبات سيجعل المخالفة أقل جدوى ويشكل رادعًا حقيقيًا أمام أي تجاوز.
ولفت إلى أن القانون الجديد استحدث أيضًا آلية نشر إلكترونية محدّثة بأسماء المخالفين المتكررين، معتبرًا أن هذه الخطوة تشكل أداة ضغط إضافية عبر اعتماد مبدأ "التشهير بالمخالفين" (Name and Shame)، بما يعزز الشفافية ويدفع المؤسسات إلى الالتزام بالقوانين، خصوصًا في ظل تراجع الثقة بآليات الرقابة التقليدية.
تعزيز الرقابة على الأسواق وملاحقة المخالفات
وفي ما يتعلق بدور الوزارة في متابعة المخالفات، أشار أبو حيدر إلى أن مديرية حماية المستهلك تواصل عملها الرقابي بشكل مكثف، كاشفًا أن المديرية نفذت 12,182 زيارة كشف ومراقبة للأسواق شملت 18 نوعًا من القطاعات خلال الفترة الممتدة من 2 كانون الثاني ولغاية 3
تموز 2026.
وأوضح أن هذه الحملات أسفرت عن تنظيم 671 محضر ضبط أحيلت أمام
القضاء المختص، وتوزعت بين مختلف أنواع المخالفات، حيث سُجّل 379 محضرًا متعلقًا بالمولدات الكهربائية، و260 محضرًا بشأن سلامة وأسعار وأوزان السلع الغذائية، و25 محضرًا يتعلق بالأسعار، إضافة إلى 6 محاضر مرتبطة بالمقاييس والموازين، فضلًا عن مخالفات أخرى.
وأكد أبو حيدر أن أهمية القانون الجديد لا ترتبط فقط بعدد المراقبين الموجودين، بل بفعالية الأدوات القانونية التي يوفرها، معتبرًا أن وجود عقوبات أكثر تشددًا سيحد من المخالفات ويجعل الالتزام بالقانون خيارًا أكثر جدوى من المخاطرة بتحمل غرامات مرتفعة.
شكاوى المواطنين والرقابة الرقمية
وفي ملف شكاوى المواطنين، أوضح أبو حيدر أن الوزارة وضعت عدة قنوات للتواصل، أبرزها الخط الساخن 1739، إضافة إلى التطبيق الإلكتروني "Input ET Digital Services"، الذي يتيح للمواطن تسجيل شكواه ومتابعتها ومعرفة مراحل معالجتها، بما يعزز التواصل المباشر بين المواطن والجهات الرقابية.
وأكد أن قانون حماية المستهلك المعدّل يشمل أيضًا التجارة الإلكترونية، مشيرًا إلى أن التطور الرقمي فرض الحاجة إلى تحديث آليات الرقابة لتشمل مختلف أشكال البيع والخدمات.
ولفت إلى أن القانون لم يحصر مسؤولية الرقابة بوزارة الاقتصاد فقط، بل لحظ دورًا للعديد من الجهات ضمن اختصاصاتها، ومنها الجمارك، البلديات، ووزارات الزراعة والصناعة والسياحة والصحة، بهدف تعزيز التعاون بين مختلف الإدارات وضمان رقابة أكثر شمولًا.
وعن انعكاس القانون على الأسعار، شدد أبو
حيدر على أن ضبط السوق يحتاج إلى تكامل بين التشريعات والرقابة والمنافسة، موضحًا أن تشكيل هيئة المنافسة والتي يعمل عليها
وزير الاقتصاد عامر البساط سيشكل خطوة مكملة لقانون حماية المستهلك، باعتبار أن تفعيل الهيئة سيساهم في الحد من الاحتكارات وتعزيز المنافسة، ما ينعكس إيجابًا على الأسعار.
وختم أبو حيدر بالتأكيد أن قانون حماية المستهلك المعدّل يشكل رادعًا مهمًا أمام كل من يحاول تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين، مشددًا على أن الهدف الأساسي هو حماية المستهلك وضمان سوق أكثر عدالة وشفافية.
ومع إقرار تعديل قانون حماية المستهلك، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من معالجة ثغرات القانون السابق إلى بناء منظومة أكثر فاعلية في الرقابة والمحاسبة.
إلا أن نجاح هذا القانون سيبقى مرتبطًا بمدى حسن تطبيق أحكامه، وقدرة الجهات المعنية على تحويل النصوص التشريعية إلى إجراءات عملية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالعبرة لا تكمن فقط في رفع قيمة الغرامات أو تشديد العقوبات، بل في ضمان رقابة فعّالة ومستدامة تحدّ من المخالفات، وتعزز المنافسة، وتعيد الثقة بين المستهلك والسوق. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يبقى التحدي الأساسي هو حماية المواطن من أي ممارسات غير مشروعة، وتأمين سوق أكثر عدالة وشفافية.