في الرابع من آب، انقسم الزمن في بيروت إلى ما قبل السادسة وثماني دقائق مساءً وما بعدها، وانقسمت معه علاقة المواطنين بدولتهم إلى ثقة تلاشت وسؤال لم يُجَب عنه بعد. ست سنوات مرّت على تلك اللحظة، ومع ذلك لا يزال الرابع من آب حاضراً، لا كذكرى تُستعاد كل عام، بل كحاضر مستمر يعيشه كل من فقد أهله أو بيته أو ثقته بأن دمه محميّ في هذا البلد. فبينما تُقفل الملفات الكبرى عادة بحكم أو اعتراف، بقي هذا الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، وبقيت الحقيقة معلّقة بين مطالعة قضائية تنتظر، وقرار اتهامي يُرتجى، ووطن يقيس صدقيته بمدى قدرته على الإجابة عن سؤالين اثنين: من المسؤول؟ ومتى تحصل المحاسبة؟
دولة كانت تتداعى أصلاً
لم يقع هذا الانفجار في بلد مستقر ليقلب استقراره رأساً على عقب، بل وقع فوق دولة كانت تتداعى أصلاً. ففي تلك المرحلة، كان
لبنان يمرّ بأخطر منعطفاته منذ نهاية الحرب : انتفاضة شعبية لا تزال تهزّ أركان النظام السياسي منذ أواخر 2019، وانهيار مالي التهم مدخرات المودعين وحوّل عشرات مليارات الدولارات إلى مجرد أرقام مجمّدة على الشاشات، فيما كان الناس يقفون في طوابير البنزين والخبز والدواء، وسط جائحة
كورونا التي ضربت البلاد في أضعف لحظاتها.
وإذا كانت آثار التفجير لا تزال ماثلة في ذاكرة اللبنانيين، فإن مسار العدالة بدوره شهد محطات متشابكة من التعطيل والاستئناف، جعلت التحقيق نفسه جزءاً من المأساة المستمرة.
محطات تحقيق المرفأ بين التجميد والانفراج
وبالعودة الى مسار التحقيق، وفي أعقاب الكارثة مباشرة، عُيّن القاضي فادي صوان محققاً عدلياً في الملف، إلا أنه سرعان ما تمت تنحيته في 21 شباط 2021 بعد أن ادّعى على مسؤولين سياسيين، ليخلفه القاضي طارق البيطار الذي بات الوجه الأبرز لهذا الملف طوال السنوات التالية.
في
تموز 2021 أطلق البيطار موجة ادعاءات واسعة طالت رئيس الحكومة السابق حسان دياب، إضافة إلى وزراء ونواب وقادة أمنيين وعسكريين، وهو ما فجّر مواجهة سياسية حادة بلغت ذروتها في تشرين الأول 2021 مع اندلاع اشتباكات مسلحة في منطقة الطيونة ببيروت على خلفية احتجاجات تطالب بعزله عن الملف. ومنذ أواخر تلك السنة، دخل التحقيق مرحلة تجميد شبه كامل استمرت لأكثر من عام، إذ عطّلت سلسلة من دعاوى "الرد" و"كف اليد" التي رفعها مدعى عليهم سياسيون وأمنيون عمل المحقق العدلي.
مطلع كانون الثاني 2023، استأنف البيطار التحقيق من جانب واحد متجاوزاً عشرات دعاوى الرد المعلّقة، وادّعى على شخصيات جديدة من بينها المدعي العام التمييزي حينها غسان عويدات. وفي 25 كانون الثاني من العام نفسه، ردّ عويدات بالادعاء على البيطار بجرم "التمرد على
القضاء واغتصاب السلطة"، وأصدر قراراً بإخلاء سبيل جميع الموقوفين في القضية وعددهم 17، ومنع البيطار من السفر، فيما اعتبر البيطار أن قرار عويدات "لا قيمة قانونية له". هذه المواجهة أدت عملياً إلى تجميد جديد للملف، وفي حزيران 2023 كلّف مجلس القضاء الأعلى القاضي حبيب رزق الله بالنظر في ادعاء عويدات ضد البيطار بجرم "انتحال صفة محقق عدلي".
بقي الملف متوقفاً عملياً طوال عام 2024 بفعل هذا الخلاف القضائي والضغوط السياسية المرافقة له، إلى أن جاء الانفراج مطلع 2025 مع استئناف رسمي للتحقيقات، وسط ما وُصف بدعم من رئيس الجمهورية جوزاف عون وذلك مع اقتراب انتهاء ولاية عويدات في موقعه. وفي 11 تموز 2025 وجّه البيطار كتاباً إلى النائب العام التمييزي جمال
الحجار طالباً تبليغ عويدات موعد جلسة استجواب بصفته "مدعى عليه"، محدداً جلسة في 21 تموز 2025. رفض المثول، وتقدّم في أيلول 2025 بـ"دعوى مخاصمة" ضد البيطار أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وفي آب 2025، أنجز البيطار فعلياً استجواب غالبية المدعى عليهم بمن فيهم حسان دياب، فيما امتنع عن المثول أمامه أربعة أشخاص فقط: ثلاثة وزراء سابقين وعويدات نفسه.
في شباط 2026 تسارعت وتيرة الملف: ففي الرابع من الشهر، تحدثت تقارير عن اجتماعات قضائية تُعجّل بختم التحقيق، مع الإشارة إلى أن تنفيذ أي مذكرات توقيف سيبقى مرهوناً بحسم دعوى "اغتصاب السلطة" المرفوعة ضد البيطار. وفي 24 شباط، حصل البيطار على ردّ من ألمانيا يتضمن معلومات عن أشخاص وشركات يُشتبه بارتباطها بشحنة نترات الأمونيوم وبتأجير السفينة "روسوس". وفي خلال الشهر نفسه أيضاً، صدر قرار قضائي صدّق منع محاكمة البيطار وأبطل الشكاوى المقامة ضده، ما أزال أحد أبرز العوائق القانونية أمام إصداره قراره النهائي.
المرحلة القضائية ما قبل الأخيرة
وفي 30 آذار 2026، أعلن البيطار رسمياً ختم التحقيقات في الملف وإحالته برمّته إلى النائب العام التمييزي جمال الحجار. بلغ عدد المدعى عليهم عند هذه المرحلة نحو 70 شخصاً، بينهم سياسيون ووزراء ورؤساء حكومات سابقون وقضاة وقادة أمنيون وعسكريون وموظفون، على أن يبتّ البيطار لاحقاً بوضع نحو 20 مدعى عليه مثلوا أمامه منذ مطلع 2025 من دون أن يُتخذ اي قرار بشأنهم حينها. والخطوة التالية المنصوص عليها قانوناً هي أن تُعدّ
النيابة العامة التمييزية "المطالعة في الأساس"، وهي رأي قانوني غير ملزم، قبل إعادة الملف إلى البيطار لإصدار القرار الظني النهائي الذي يحدد المسؤولية الجرمية لكل مدعى عليه ويحيله إلى المجلس العدلي.
لكن هذه المرحلة تأخرت بفعل إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار على التقاعد، وخلفه بهذا المنصب القاضي أحمد رامي الحاج الذي كلف المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب ابداء الرأي في المطالعة بالأساس تمهيدا لاصدار البيطار القرار الاتهامي في الملف المكون من اكثر ١٢٠٠ صفحة من التحقيقات.
وحتى الآن، لا يزال الملف لدى
النيابة العامة التمييزية في المرحلة القضائية ما قبل الأخيرة، قبل اصدار القرار الاتهامي. يشار الى ان البيطار يصدر القرار بناء على قناعته المستقلة سواء جاء وفقا لمطالعة النيابة العامة التمييزية او خلافا لها. ووفق مصادر مطلعة فإن المسار القضائي في هذا الملف سيكون مكتملا في غضون شهرين، ليحال بعدها الى المجلس العدلي للمحاكمة.
بعد ست سنوات على تفجير العاصمة، ما يحتاجه لبنان ليس أقل من دولة تحاسب، وتحكم بعدل، وتنصف ضحاياها. فالقرار الاتهامي، متى صدر، لن يعيد أحداً ممن رحلوا، ولن يرمّم ما تهدّم من بيوت وأحلام، لكنه سينصف الضحايا، ويعطي العدالة كلمتها التي طال انتظارها.