لم يعد ارتفاع عوائد السندات العالمية مجرد قصة تضخم أو قرارات بنوك مركزية. فالمسألة الأعمق، بحسب "Investing"، تكمن في صعوبة إعادة تمويل ديون سيادية ضخمة بأسعار فائدة حقيقية يفرضها السوق.
فالذهب يتضرر عادة من ارتفاع العوائد، لأنه لا يمنح حامله أي فائدة. لكن عندما ترتفع العوائد بسبب خوف المستثمرين من المخاطر المالية، وعدم اليقين النقدي، وتضخم المعروض من الديون، فإنها تتحول لاحقاً إلى أفضل دعاية للذهب.
اليابان والولايات المتحدة وصلتا إلى المشكلة نفسها من طريقين مختلفين. اليابان تحاول الخروج من عقود طويلة من الفوائد الصفرية والعوائد المكبوتة، فيما تكتشف الولايات المتحدة أن السوق يستطيع رفع كلفة الاقتراض حتى من دون أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي.
في اليابان، بلغ عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات نحو 2.88% في تموز، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996. وقد يبدو هذا الرقم عادياً مقارنة بعوائد السندات الأميركية، لكنه كبير جداً لدولة بنت نظامها المالي على فكرة أن الحكومة تستطيع الاقتراض شبه مجاناً.
ومع طرح وزارة المالية اليابانية نحو 2.6 تريليون ين من السندات لأجل 10 سنوات في مزاد واحد في 4 آب، أصبح السؤال أكثر حساسية: كيف يمكن لدولة ذات دين عام ضخم أن تتحمل إعادة التمويل بكلفة أعلى؟
أما في الولايات المتحدة، فقد ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.2% بعد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في تموز، وهو أعلى مستوى منذ 2007، فيما اقترب عائد سندات 10 سنوات من 4.7%.
المهم هنا أن الاحتياطي الفيدرالي لم يرفع الفائدة. السوق هو من رفع كلفة المال.
وهذا يكشف الفارق بين ما يستطيع البنك المركزي التحكم به وما لا يستطيع. فالبنك المركزي يسيطر على الفائدة القصيرة الأجل، لكن الحكومة تقترض عبر آجال متعددة، والسوق يحدد الكلفة في نهاية المطاف.
العوامل الظاهرة لارتفاع العوائد معروفة: تضخم صعب، أسعار نفط أعلى، وبنوك مركزية غير مرتاحة لخفض الفائدة. لكن العامل الأعمق هو أن حجم الديون أصبح كبيراً إلى درجة أن أي ارتفاع متوسط في كلفة التمويل يغير الحسابات المالية للحكومات.
خلال سنوات الفائدة الصفرية، بدا أن حجم الدين لا يهم طالما أن كلفة خدمته منخفضة. اليوم، مع ارتفاع الكلفة، عاد حجم الدين ليصبح المشكلة الأساسية.
بالنسبة إلى الذهب، الصورة معقدة. في المرحلة الأولى، ارتفاع العوائد يضغط عليه، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد من السندات بدلاً من الاحتفاظ بمعدن لا يدر دخلاً. كما أن صعود الدولار يزيد الضغط عادة.
لكن إذا بدأ المستثمرون يرون أن العوائد ترتفع لأنهم يطلبون تعويضاً عن مخاطر الدين والتضخم وعدم اليقين المالي، فإن الرسالة تتغير. عندها لا يعود العائد مجرد مكافأة، بل يصبح تعويضاً عن الخطر.
هنا يظهر تناقض الذهب: العوائد المرتفعة قد تؤذيه فنياً في المدى القصير، لكنها تقوي حجته الأساسية في المدى الأبعد.
فالذهب يرتفع عادة عندما يبدأ السوق بالاعتقاد أن الحكومات لن تستطيع تحمل الجمع بين ديون ضخمة وفوائد مرتفعة. وعند هذه النقطة، قد تلجأ الدول إلى أدوات مختلفة: تدخلات سيولة، شراء سندات، تغيير قواعد الإصدار، أو أشكال ناعمة من القمع المالي.
هذه الإجراءات لا تحتاج دائماً إلى اسم واضح مثل "التحكم بمنحنى العائد". المهم هو النتيجة: دفع المؤسسات والمستثمرين إلى تمويل الدولة بسعر أقل مما كان السوق سيطلبه بحرية كاملة.
اليابان تحاول الابتعاد عن هذا النموذج من دون إحداث فوضى في سوق السندات أو في الين. أما الولايات المتحدة، فقد تكون متجهة إلى نسخة أخف منه، مع اصطدام حاجات التمويل الحكومي بطلب السوق لعوائد أعلى.
ولا يعني ذلك أن أزمة دين أميركية وشيكة. فالولايات المتحدة لا تزال تملك أعمق الأسواق المالية في العالم، والدولار يحتفظ بمكانته المركزية في الاحتياطيات والتجارة. لكن هذه الامتيازات لا تلغي كلفة الفائدة، بل تؤخر لحظة الضغط فقط.
الإشارة الأهم التي يجب مراقبتها ليست مجرد وصول العوائد إلى رقم معين، بل متى يتوقف المسؤولون عن وصف العوائد المرتفعة بأنها انضباط طبيعي من السوق، ويبدأون التعامل معها كتهديد للاستقرار المالي أو لاستدامة الدين أو لانتقال السياسة النقدية.
قبل هذه اللحظة، قد تبقى العوائد الحقيقية المرتفعة عامل ضغط على الذهب. أما بعدها، فيتغير التفسير: لا يعود الذهب مجرد أصل بلا فائدة، بل يصبح أصلاً بلا التزام مقابل.