بقلم نزار شاكر
الهندسة المشهدية الأولى
الساعة العاشرة ليلاً من يوم الجمعة 7 آب 2026. مطار الملك عبد العزيز في جدة. لا سجاد أحمر ممتد، ولا مواكب استعراضية بطيئة. كل شيء كان يوحي بأن هناك أمراً عاجلاً؛ انتقال سريع وحاسم من مدرج الطائرة إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة. هناك، أدى الزعماء الثلاثة: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، صلاة الجمعة جنباً إلى جنب تحت أنوار الحرم التي تلمع في الأفق كمرجعية نهائية وأبدية، في مشهد بصري يُعلن تلاحم القلوب والرموز قبل تلاحم السلاح والجنود.
ومن الحرم الشريف إلى فناء قصر الصفا المطل عليه، وفي ظلال هذا المكان التاريخي، وقفت ثلاث نساء محجبات يقدمن مسودة اتفاقية "مكة للدفاع المشترك" إلى الزعماء الثلاثة عقب فراغهم من اللقاء.
المفارقة هنا تفرض نفسها وتستدعي التأمل: كيف يمكن لبقعة سلام روحي مطلق مطلة على الكعبة المشرفة، أن تحتضن ولادة واحدة من أكثر ترتيبات الدفاع الجماعي إثارة لإعادة الحسابات في المنطقة منذ عقود؟ معاهدة تنص صراحة على بند "الدفاع الجماعي" - على غرار حلف الناتو - وجاءت كخطوة مفاجئة في زمن تعيش فيه المنطقة تحولات مضطربة، وتراجعاً متسارعاً للمسارات الدولية التقليدية.
التكنوقراط في الظل - تفكيك شفرة النساء والحجاب
في هذا المشهد، نحن لا نبحث عن أسماء شخصية، بل نفكك "شفرة بصرية" جرى التخطيط لها بعناية لترتيب طبقات المشهد: صانع القرار الذي يحمل الثقل السياسي، وصانع النص المتمثل في العقول التكنوقراطية، والمرجعية الرمزية المتمثلة في المكان المقدس.
الاتفاقيات العسكرية الكبرى تكتب عادة على طاولات خشنة، يتبادلها رجال ببدلات رسمية أو عسكرية، وبلغة تهديد صريحة. لكن دخول ثلاث نساء محجبات لتقديم هذه المسودة قلب المفاهيم؛ فالحجاب هنا ليس مجرد تفصيل شكلي، بل هو إعلان أصالة وتمسك بالهوية.
وظهورهن في هذا الدور التكنوقراطي، بوصفهن واجهة بشرية للنص العسكري المعقد، يرسل رسالة عن الكفاءة المؤسساتية التي يريد المشهد إظهارها. الرسالة المبطنة للعالم: هذا حلف يمثل مشروع حداثة وقوة، لكنه لا يقطع مع الجذور.
وعلى مستوى الدلالة البصرية، تستدعي صورة المرأة في هذا السياق معاني البناء والحماية والاحتواء، بما يضفي على النص العسكري الصارم طبقة من النعومة الإنسانية؛ وهكذا تؤدي هذه النعومة البصرية وظيفة أنسنة للنص العسكري الجاف. فكرة أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يستدعي اعتباره اعتداء على الجميع، عندما تمر عبر أيدي الخبيرات الثلاث وفي جوار الكعبة وبعد صلاة جامعة، تتحول فوراً في عين الرأي العام من "تحالف هجومي" إلى "درع حماية".
المشهد هنا لا يضع القوة العسكرية في مواجهة القداسة، بل يعيد تعريف القوة باعتبارها حارسة للسلام والحرمة، ليمنح المكان نفسه للاتفاقية إطاراً أخلاقياً ورمزياً استثنائياً. وقبل أن تبدأ الجيوش بالتحرك، تبدأ الصورة هنا بإعادة رسم حدود ما هو ممكن.
إنها سيميائية معقدة لإخراج بصري يقوم على "هندسة إدراكية" بالغة الذكاء؛ نجحت في تجريد الحلف من أي طابع هجومي صاخب. وفي محاولة لإدراج هذا النموذج ضمن تصنيف مألوف، سارع بعض الإعلام الغربي إلى تسميته بـ"الناتو الإسلامي الجديد"، في توصيف يختزل، إلى حد ما، تعقيد المزج بين الحداثة التكنوقراطية والهوية الروحية.
معاهدة مكة - البنود الصلبة والوقائع الاستراتيجية
النواة الأساسية للاتفاق وردت واضحة وحرفية في البيان المشترك: الاتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع.
خلف هذه العبارة الجافة، تتبدى ملامح تحالف عابر للقارات يدمج جبهات ثلاث دول تمتلك عناصر قوة مكملة لبعضها، بما يعيد رسم موازين القوى من خلال ثلاث ركائز تكاملية:
- العمق والشرعية: الثقل الاقتصادي والروحي للمملكة
العربية السعودية، وقدرتها التمويلية التي تضمن استدامة سلاسل الإمداد العسكري.
- التكنولوجيا الميدانية: القدرات الصناعية العسكرية المتطورة لجمهورية
تركيا، لا سيما في مجال الطيران المسير والأنظمة الدفاعية الذكية، مما يؤسس لمظلة دفاعية متكاملة تكرس مبدأ الاستقلال الاستراتيجي.
- القدرة العسكرية الصامتة: الثقل البشري والخبرة الميدانية للجيش الباكستاني، حيث يضيف هذا البعد الاستراتيجي في الحسابات طبقة ردع قصوى تجعل أي تفكير في استهداف عواصم الحلف أكثر كلفة وخطورة.
أما الإشارة الأهم فوق رادارات التحليل التقليدية، فكانت جملة: "لا تلغي أو تحل محل الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة مع دول أو منظمات أخرى". هذه الصياغة المرنة تتيح لتركيا البقاء في حلف الناتو، وللسعودية الحفاظ على شراكاتها الدولية، مع بناء سقف أمان إقليمي خاص ومستقل؛ وقد قطع البيان المشترك الطريق على أي تأويلات خارجية بقراره الحاسم المعلن: "إن هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد أي دولة، ولا تهدف لتشكيل محور عسكري أو تكتل طائفي".
الحدث في عيون الآخرين (الرسائل والقراءات)
لم يكن مفاجئاً أن يُحدث هذا الحلف هزة صامتة في غرف صناعة القرار، حيث بدأت العواصم الكبرى في قراءة رسائل المشهد كل من زاويته ومصالحه:
- رسائل التوجس والقلق: تتابع الأوساط الأمنية والإقليمية الخطوة بمؤشرات واضحة من الحذر، لا سيما تجاه اتحاد عسكري يجمع بين المال، التكنولوجيا الدفاعية، والعمق العسكري؛ مما يفسر كخطوة عملية لملء "الفراغ الأمني" الناجم عن تراجع الموثوقية في المظلات الدولية التقليدية. رسائل الشراكة متعددة الأقطاب: في بكين وموسكو، تُقرأ الخطوة كدليل عملي على رغبة قوى الإقليم في صياغة أمنها الذاتي بعيداً عن الهيمنة التقليدية، مما ينسجم مع رؤية نظام دولي متعدد الأقطاب.
- أصداء الحبر والمنصات: تلونت التغطيات الإعلامية بصبغة الاهتمامات القومية؛ فالتركيز التركي ذهب فوراً نحو الاستقلال الدفاعي والتصنيع المشترك، والتركيز الخليجي نحو الاستقرار وحماية المكتسبات، بينما أبرزت أدبيات إسلام آباد دورها كركيزة أمان أساسية في المنطقة. ولم يتوقف الردع عند حدود البيانات الدبلوماسية؛ بل تُرجم رقمياً وثقافياً من خلال بث مقاطع وأناشيد حماسية.
احتفت بلقاء القادة وبـ"الدرع الاستراتيجي المشترك"، ليتجاوز الحلف طابعه العسكري الصرف ويتحول إلى عنصر من عناصر التعبئة الرمزية العابرة للحدود، تساهم في هندسة الوعي الجمعي وإرساء هيبة التحالف إعلامياً قبل الميدان.
الارتداد على مسارات الشرق المتهالكة: لا يمكن قراءة معاهدة "مكة" بمعزل عن التراجع العميق للمنظومات التفاوضية التقليدية في المنطقة. ففي الوقت الذي تشهد فيه أروقة الدبلوماسية ملامح تحول جوهري يشي بأن مسار "جنيف" السوري يعيش جموداً مزمناً يقترب من الأفول السريري، مقابل صعود كواليس ومسارات ناشئة مثل تفاهمات "إيفيان" التي تصيغ فيها القوى النافذة تسويات واقعية خلف الأبواب المغلقة؛ يبدو أن زمناً جديداً يتشكل، تتراجع فيه مركزية المظلات الدولية والبروتوكولات التقليدية، لصالح ترتيبات أمنية إقليمية أكثر مباشرة. القوى الإقليمية باتت تصنع أمنها الذاتي وتفرض خطوطها الحمراء بـ"الحبر والحديد" معاً، وما جرى في كواليس قصر الصفا هو الشقيق الاستراتيجي لما يُهندس في كواليس المسارات الجديدة.
مقتضيات ما بعد الاتفاق واستشراف المستقبل
بمجرد انتهاء اللقاء في قصر الصفا، انقضى وقت الدبلوماسية وبدأ وقت العمل العملياتي؛ فالبيان الذي وعد بـ"مستقبل آمن ومزدهر" يفتح الباب أمام استشراف الخطوات المقبلة لتأسيس مجالس دفاعية عليا، وربط غرف العمليات والدفاع الجوي.
مستقبل هذه المعاهدة تحكمه الآن ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو المتفائل (الدرع الذاتي): نجاح الدول الثلاث في فرض معادلة استقرار شاملة، تجعل كلفة التحرش بأي طرف منها باهظة جداً، مما يجبر القوى الأخرى على التهدئة.
السيناريو الواقعي والعملي (المنطقة الرمادية): تفعيل البنود ببطء تكتيكي وحذر شديد، مع موازنة دقيقة بين متطلبات الحلف وبين إدارة ملفات التعاون الحيوية والشراكات التاريخية مع القوى الدولية الكبرى، واحتواء أي ضغوط سياسية أو فرملة اقتصادية قد تحاول تعطيل هذا الاتحاد الناشئ.
السيناريو الأخطر (اختبار الردع): أن تلجأ أطراف متوجسة إلى افتعال أزمة أمنية خاطفة أو ضربة عبر وكلاء ضد إحدى الدول الثلاث، بهدف اختبار المعاهدة ومعرفة ما إذا كانت درعاً حقيقياً "يحرك الجيوش" أم مجرد "حبر على ورق سياسي".
خلاصة فلسفة المشهد
تفتح معاهدة مكة الباب أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها: الاعتماد على النفس والاستقلال الاستراتيجي. الرسالة الأخيرة التي تركها مشهد قصر الصفا هي أن القوة العسكرية والردع، عندما يُصاغان بعقول وطنية تكنوقراطية تنبثق من أقدس بقعة إسلامية، يتغير مفهومهما في وجدان الشعوب؛ لا يعودان أداة للحروب والسيطرة، بل يصبحان درعاً حكيماً ومنضبطاً لحماية السلام والأرض والمقدسات.
لقد تراجعت عواصم الغرب كعنوان للتسويات وصياغة الاتفاقيات؛ فمن المقاربات الناشئة في "إيفيان" التي تتبلور على أنقاض المسارات التقليدية الهامدة، إلى ظلال قصر الصفا حيث برزت "هندسة الظل" بوصفها جزءاً من معادلة الردع، كتبت الحقيقة الإقليمية الجديدة: الأمن لا يُستورد من الخارج، الأمن يُهندس ويُصنع في الداخل.