لم تصدر إسرائيل بعد موقفاً رسمياً من اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة، فيما يرى محللون أنه قد يشكل تحدياً للتحركات الإسرائيلية في المنطقة، خصوصاً مع مشاركة أنقرة وإسلام آباد فيه.
ويقول تقرير لموقع "الجزيرة إنكليزي" إن الدول الثلاث وقعت الجمعة "ميثاق مكة للدفاع المشترك"، ويتضمن أحد أبرز بنوده اعتبار "أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث هجوماً عليها كافة".
ورجّح محللون ومصادر حكومية أن تستفيد القيادة الإسرائيلية من هدوء السبت، الذي يتوقف فيه السياسيون الإسرائيليون عادة عن نشاطهم بمناسبة يوم السبت اليهودي، لدراسة التداعيات الكاملة للتحالف الإقليمي الجديد.
تركيا في صدارة القلق الإسرائيلي
ينظر سياسيون إسرائيليون من مختلف الاتجاهات إلى تركيا باعتبارها تهديداً محتملاً. وكان
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد وصف إسرائيل الشهر الماضي بأنها "عبء لم يعد بإمكان البشرية تحمله"، ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى اتهامه بـ"التحريض على الإبادة الجماعية".
وتُعد تركيا من أبرز منتقدي الحرب الإسرائيلية على غزة، التي قتلت ما لا يقل عن 72 ألف فلسطيني، والتي يصنفها عدد واسع من الباحثين والمنظمات الحقوقية الدولية على أنها إبادة جماعية.
وفي حزيران، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن العمليات الإسرائيلية في
سوريا ولبنان تشكل تهديداً مباشراً لأنقرة، مضيفاً أن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي الجنوبية فقط، بل يمتد إلى حلب ودمشق وبيروت. ورد نتنياهو بوصف أردوغان بأنه "ديكتاتور معادٍ للسامية" لا يحق له تقديم دروس أخلاقية لإسرائيل.
كما أثارت باكستان، التي لا تعترف بإسرائيل وتمتلك سلاحاً نووياً، غضب تل أبيب. ففي نيسان، وصف
وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف الهجمات الإسرائيلية في
لبنان بأنها "شر"، واعتبر إسرائيل "لعنة على البشرية". وقال مكتب نتنياهو إن منشوره، الذي حُذف لاحقاً، يمثل "دعوة إلى القضاء على إسرائيل".
أما السعودية، التي تسعى إسرائيل منذ فترة إلى تطبيع العلاقات معها، فتُعد مصدر قلق أقل بالنسبة إلى تل أبيب. ودفع نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب بقوة نحو انضمام الرياض إلى "اتفاقات أبراهام"، لكن المملكة حافظت على مسافة من مسار التطبيع منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول 2023.
وحسب التقرير، أثرت الهجمات التي شنتها إسرائيل على أكثر من ست دول في المنطقة منذ عام 2023، وبينها الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط، بصورة كبيرة في الحسابات السعودية. كما تعرضت المملكة مراراً لهجمات إيرانية بحجة استضافتها قوات أميركية.
وقال أندرياس كريغ، المحاضر في كلية الدراسات الأمنية بجامعة "كينغز كوليدج لندن"، إن الحرب الحالية عززت لدى الرياض قناعة بأن القوة العسكرية الأميركية لا تزال ضرورية، لكن العلاقة مع واشنطن لا تضمن الحماية من الهجمات، ولا تعني بالضرورة أن
الولايات المتحدة ستتحرك وفق الأولويات السعودية.
وأضاف أن السعودية تسعى، بناء على ذلك، إلى توسيع عمقها الاستراتيجي والحصول على خيارات إضافية.
ورغم أن الاتفاق الدفاعي السعودي التركي الباكستاني تشكل في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتطورات الإقليمية، فإن التقرير يشير إلى وجود عوامل أخرى وراءه.
وكان نتنياهو بدوره قد عمل على بناء ما وصف بـ"سداسي التحالفات"، ويضم إسرائيل واليونان وقبرص والهند، الخصم الإقليمي لباكستان، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم تُسمَّ.
وقال المحلل بريغمان للجزيرة إن الاتفاق يعكس، قبل كل شيء، تراجع الثقة بالولايات المتحدة وقدرتها أو استعدادها لحماية حلفائها في
الشرق الأوسط.
ورأى أن الميثاق يمثل تعاوناً لمواجهة إيران أكثر مما يستهدف إسرائيل، لكنه شكك في أن تسارع الدول الثلاث إلى مساعدة بعضها بعضاً في حال تعرضت ناقلة سعودية مثلاً لهجوم إيراني.
وأضاف أن الجانب الأكثر سلبية بالنسبة إلى إسرائيل يتمثل في انضمام تركيا إلى الاتفاق، بعدما تحولت أنقرة إلى تحدٍّ جدي لتل أبيب.
الميثاق يدخل الانتخابات الإسرائيلية
وحسب التقرير، تحولت تركيا منذ فترة إلى خصم سياسي يستفيد منه نتنياهو، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول. وخلال الأشهر الأخيرة، كثّف رئيس الوزراء مقابلاته واتصالاته وتصريحاته في محاولة لمنع الولايات المتحدة من بيع مقاتلات "إف-35" إلى أنقرة.
ورأى محللون في صحيفة "هآرتس" أن نتنياهو ربما يستخدم تركيا بوصفها "خصماً استراتيجياً جديداً ومفيداً" لتعزيز صورته الأمنية قبل الانتخابات، في وقت تظهر استطلاعات الرأي منافسة متقاربة بينه وبين غادي آيزنكوت.
وفي شباط، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات، تركيا بأنها "إيران الجديدة"، وحذر من تشكيل أنقرة "محوراً سنياً معادياً مع باكستان النووية".
وقد يعتبر أنصار بينيت الاتفاق دليلاً على صحة تحذيراته السابقة، فيما يُتوقع أن يتحول التحالف التركي السعودي الباكستاني إلى ملف أساسي في الحملات الانتخابية بين نتنياهو وخصومه.
وقال دانيال ليفي، المستشار السابق في الحكومة الإسرائيلية والمنتقد لها حالياً، إن
القضايا تصبح أكثر حدة خلال موسم الانتخابات، مشيراً إلى أن بينيت اتخذ موقفاً أكثر تشدداً من نتنياهو تجاه تركيا، وقدّمها باعتبارها التحدي الإقليمي الجديد المشابه لإيران.
ورجّح ليفي أن يستخدم خصوم نتنياهو الاتفاق، ولا سيما مشاركة السعودية فيه، لتصويره على أنه فشل دبلوماسي. وفي المقابل، قد يسعى نتنياهو إلى التقليل من أهمية الميثاق، والتركيز على علاقته برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، باعتبارها شراكة أكثر أهمية عمل شخصياً على تطويرها. (الجزيرة انكليزي)