تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"علي الطاهر"... هل تعيد إلى الذاكرة اللبنانية قصة تلة المير؟

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
18-08-2026 | 02:00
A-
A+
علي الطاهر... هل تعيد إلى الذاكرة اللبنانية قصة تلة المير؟
علي الطاهر... هل تعيد إلى الذاكرة اللبنانية قصة تلة المير؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ليست كل التلال متشابهة، وإن بدت على الخريطة مجرد مرتفعات تتوزع فوق الجغرافيا اللبنانية. بعض التلال يتحول، بفعل موقعه والظروف المحيطة به، إلى أكثر من مجرد نقطة عسكرية. يصبح عنوانًا لمعركة، ورمزًا لمرحلة، وأحيانًا مفتاحًا لفهم ما قد يأتي بعدها.
Advertisement
من هنا، تفرض تلة علي الطاهر نفسها اليوم في المشهد الجنوبي، وتستعيد معها الذاكرة اللبنانية صورة تلال أخرى ارتبط اسمها بمحطات دامية من تاريخ لبنان، وفي مقدمها تلة المير في "مخيم تل الزعتر" للاجئين الفلسطينيين في منطقة المكلس.
المقارنة، بالطبع، لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، ولا أن الظروف التي تحيط بعلي الطاهر هي نفسها التي أحاطت بتل الزعتر في منتصف السبعينيات. فلبنان اليوم أمام مواجهة مختلفة الأطراف والمعايير، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع المفاوضات السياسية والوساطة الأميركية والحسابات الإقليمية. لكن التشابه يكمن في وظيفة التلة.
فالمرتفعات في الحروب ليست مجرد مساحة من الأرض. إنها نقاط تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على مراقبة محيط واسع، وتؤثر في حركة القوات وخطوط الاتصال، ولذلك تصبح السيطرة عليها هدفًا يتجاوز أحيانًا قيمتها الجغرافية. وهنا تكمن أهمية علي الطاهر.
فالموقع لم يعد يُنظر إليه فقط كمرتفع جنوبي، بل تحول إلى نقطة تختصر جانبًا من الصراع الدائر حول شكل الانتشار العسكري ومستقبل المنطقة الحدودية. ولذلك فإن أي تطور يتعلق به لا يمكن فصله عن الصورة الأكبر. وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال محوري حول من يملك زمام المبادرة في الجنوب، ومن يحدد قواعد اللعبة، وما إذا كانت الوقائع الميدانية ستسبق التسوية السياسية أم أن التفاوض سيتمكن من احتوائها؟
وهذه النقطة تحديدًا تجعل استحضار تلة المير ذا دلالة، لا للمقارنة العسكرية المباشرة، بل لاستعادة درس من التاريخ اللبناني. فعندما تتحول جغرافيا صغيرة إلى عنوان لمعركة كبيرة، فإن المعركة غالبًا لا تبقى محصورة في حدود هذه الجغرافيا.
فتلة المير ارتبطت بواحدة من أكثر مراحل الحرب اللبنانية قسوة، وأصبح اسمها جزءًا من ذاكرة تل الزعتر وما رافق تلك المرحلة من حصار وقتال ومعارك ضارية. أما علي الطاهر، فإنها تظهر اليوم في سياق مختلف، لكن الخشية اللبنانية واحدة، وهو ألا يتحول أي موقع استراتيجي إلى شرارة توسع دائرة المواجهة.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية، وهي أن السيطرة على تلة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة حسم المعركة ولا الحرب، كما أن خسارتها لا تعني تلقائيًا سقوط جبهة بأكملها. التاريخ العسكري والسياسي للبنان مليء بأمثلة على مواقع اكتسبت أهمية استثنائية في لحظة معينة ثم تغيرت قيمتها مع تغير المعادلات. لكن الخطر يكمن في أن تتحول المعركة على التلة إلى معركة كسر إرادات. عندها تصبح كل خطوة ميدانية مرتبطة بحسابات أكبر. فحسابات إسرائيل الأمنية تختلف عن حسابات "حزب الله" الدفاعية والسياسية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت علي الطاهر ستسقط أو ستبقى تحت سيطرة مقاتلي "حزب الله"، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ هل ستكون مجرد ورقة في التفاوض، أم ستتحول إلى عنوان لفرض وقائع جديدة على الأرض، وهل يستطيع الوسطاء منع معركة على مرتفع من التحول إلى معركة على الجنوب كله أو ربما أبعد من الجنوب؟
لبنان الذي خبر الحروب يعرف جيدًا أن الشرارة لا تختار دائمًا مكان انتشارها. وما يبدأ أحيانًا بمعركة على موقع أو تلة قد ينتهي بتغيير قواعد الاشتباك وفتح أبواب يصعب إغلاقها.
ولذلك، فإن استحضار تلة المير اليوم ليس دعوة إلى استحضار الماضي بكل مآسيه، بل هو تحذير من أن تتحول الجغرافيا إلى قدر.
فلبنان لا يحتاج إلى تلة جديدة تُضاف إلى ذاكرة حروبه، ولا إلى عنوان جديد للتهجير والدمار. ما يحتاج إليه هو أن تتحول التلال والحدود والمرتفعات من أوراق عسكرية إلى أوراق تفاوضية، وأن تكون الدولة اللبنانية قادرة على حماية أرضها وأهلها من دون أن يدفع الجنوب مجددًا ثمن صراعات تتجاوز حدوده.
علي الطاهر ليست تلة المير، والزمن ليس زمن تل الزعتر. لكن التاريخ اللبناني يقول إن بعض التلال تصبح أكبر بكثير من حجمها عندما تدخل في حسابات الحروب.
والرهان اليوم هو ألا تسمح السياسة بأن تتحول علي الطاهر إلى فصل جديد من فصول الذاكرة اللبنانية المثقلة بالحروب.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas