مع كل ارتفاع في درجات الحرارة، يعود مشهد الحرائق إلى الواجهة في
لبنان، لتتحول الأحراج والأراضي الزراعية إلى ساحات مفتوحة أمام النيران، فيما تجد فرق الدفاع المدني نفسها في سباق مع الوقت لمنع تمددها إلى المنازل والمناطق السكنية.
هذا الصيف، لا تبدو المعركة موسمية فحسب. فمع ارتفاع الحرارة وتراجع الرطوبة وجفاف الأعشاب، تتسع نافذة الخطر، فيما تبقى سرعة الاستجابة عاملاً حاسماً في تحديد حجم الأضرار. وقد شهدت الأسابيع الماضية اندلاع حرائق حرجية في أكثر من منطقة لبنانية، بينها
جبيل والكورة وعكار وجزين، تمكن الدفاع المدني من السيطرة عليها ومنع امتدادها إلى مساحات وممتلكات مجاورة.
الدفاع المدني في مواجهة سباق مع الوقت
المعادلة بالنسبة إلى فرق الإطفاء بسيطة في ظاهرها ومعقدة في الميدان: كل دقيقة تأخير قد تعني مساحة إضافية تلتهمها النيران.
ولهذا، لا تقتصر الجهوزية على وجود الآليات والعناصر، بل تبدأ من سرعة تلقي البلاغ، وتحديد موقع الحريق، والوصول إليه، ثم تطويقه قبل أن تساعد الرياح والحرارة والجفاف على تحويله إلى حريق واسع يصعب التحكم به.
وقد رفع الدفاع المدني مستوى جهوزيته خلال موجات الحر، داعياً المواطنين إلى أقصى درجات الحذر، ولا سيما في المناطق الحرجية والحقول.
لكن الاختبار الحقيقي للجاهزية لا يظهر في البيانات، بل على الأرض: هل تستطيع الفرق التعامل مع أكثر من حريق في الوقت نفسه؟ وهل تكفي الموارد المتوافرة لتغطية مختلف المناطق
اللبنانية إذا اندلعت حرائق متزامنة؟
من "إطفاء الحريق" إلى منع الكارثة
المقاربة الحديثة للحرائق لا تقوم فقط على إخماد النيران بعد اندلاعها، بل على منع تحول الحريق الصغير إلى كارثة.
وهنا تبرز أهمية الإنذار المبكر، والمراقبة، وتنظيف محيط الأحراج، وفتح الطرقات والمسالك التي تسمح لآليات الإطفاء بالوصول بسرعة، إضافة إلى التعاون بين الدفاع المدني والبلديات والجيش ووزارة الزراعة ووزارة البيئة والمجتمع المحلي.
وفي هذا الإطار، أطلقت
وزارة البيئة، بالتعاون مع
وزارة الإعلام، حملة وطنية للوقاية من حرائق الغابات لعام 2026، بمشاركة عدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية والبلديات والمجلس الوطني للبحوث العلمية والشركاء الدوليين.وهذا يعني أن مواجهة الحرائق لم تعد مهمة الدفاع المدني وحده، مهما بلغت جهوزيته.
العامل البشري.. الحلقة الأخطر
في كثير من الحالات، لا تبدأ الكارثة من حريق كبير، وإنما من شرارة صغيرة.
سيجارة تُرمى في أرض جافة، حرق أعشاب أو نفايات في يوم شديد الحرارة، نار تُترك من دون مراقبة، أو إهمال بسيط في منطقة حرجية، يمكن أن تكون كافية لإشعال مساحة واسعة.
ولهذا يكرر الدفاع المدني دعوته إلى الامتناع عن إشعال النيران في المناطق الحرجية، والإبلاغ الفوري عن أي حريق عبر الرقم 125.
لكن الوقاية تحتاج أيضاً إلى تغيير في السلوك. فحين تكون الظروف المناخية مؤاتية لانتشار النيران، يصبح هامش الخطأ ضيقاً جداً.
هل الجهوزية كافية؟
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس ما إذا كان الدفاع المدني جاهزاً، بل ما إذا كانت الإمكانات المتوافرة تتناسب مع حجم الخطر المحتمل.فالمديرية لا تواجه الحرائق فقط، وإنما تتولى في الوقت نفسه مهام الإنقاذ والإسعاف والاستجابة لحوادث مختلفة في مختلف المناطق.
وفي السنوات الأخيرة، استمرت الجهود لتعزيز قدراتها، ومنها تسلّم خمس سيارات إسعاف مجهزة بالكامل مقدمة من
العراق في آذار الماضي، في إطار دعم الاستجابة الوطنية لحالات الطوارئ.
كما أن تعزيز الجهوزية لا يقتصر على المعدات، بل يشمل التدريب والتنسيق وتوزيع العناصر والآليات، وهو أمر تبرز أهميته خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها أو التي تنتشر فيها الأحراج على مساحات واسعة.
عندما تصبح النار أسرع من الآليات
المشكلة الكبرى في حرائق الغابات أن فرق الإطفاء لا تواجه ناراً ثابتة.فالرياح يمكن أن تغير اتجاهها خلال دقائق، والمنحدرات الوعرة تعرقل حركة الآليات، فيما يؤدي الجفاف إلى سرعة انتشار النيران بين الأعشاب والأشجار.
وفي بعض الحالات، قد تحتاج فرق الإطفاء إلى العمل لساعات لمنع تجدد الحريق بعد إخماده، وهو ما حصل في حرائق عدة خلال الفترة الأخيرة، حيث لم تقتصر المهمة على إخماد النيران، بل شملت أيضاً عمليات التبريد للتأكد من عدم تجدّدها.
ومن هنا، فإن نجاح الدفاع المدني لا يقاس فقط بعدد الحرائق التي أخمدها، وإنما بقدرته على منع الحريق من التحول إلى كارثة.
لبنان أمام معادلة مزدوجة
المعادلة اليوم واضحة: الدفاع المدني يرفع جهوزيته، والدولة تحاول تعزيز الوقاية، لكن انتشار الحرائق لا يمكن مواجهته بالاستجابة بعد وقوعها فقط.
فالمطلوب منظومة متكاملة تبدأ من مراقبة المناطق الأكثر عرضة للخطر، مروراً بالإنذار المبكر والتدخل السريع، وصولاً إلى تأمين الطرق والمسالك والمياه والمعدات، إضافة إلى تشديد الرقابة على مسببي الحرائق ومحاسبتهم.
وفي النهاية، تبقى الوقاية خط الدفاع الأول.
ففي بلد صغير مثل لبنان، حيث تتداخل الأحراج مع المناطق السكنية والزراعية، قد لا يحتاج الحريق إلى مساحة كبيرة كي يتحول إلى تهديد مباشر للمنازل والأهالي.
ومع استمرار موجات الحر، ستبقى الأيام المقبلة اختباراً فعلياً لمدى قدرة لبنان على الانتقال من إدارة الحرائق بعد اندلاعها إلى إدارة خطر الحرائق قبل وقوعها.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً: إذا اندلعت حرائق متزامنة في أكثر من منطقة، هل يملك لبنان ما يكفي من الوقت والآليات والعناصر لمنع تكرار سيناريوهات الحرائق الكبرى؟