على امتداد نحو نصف قرن، تغيّرت مهام "اليونيفيل" وحجمها وقواعد عملها، لكن اسمها بقي ثابتًا في معادلة الجنوب اللبناني. هذه المرة، قد يكون الاسم نفسه هو ما يختفي. وفي محاولة لتفادي هذا السيناريو، أعاد الرئيس
جوزاف عون تثبيت الموقف الرسمي: الأولوية لتمديد ولاية القوة الدولية، وإذا تعذر ذلك فلا بد من صيغة قانونية تحفظ وجودًا دوليًا في الجنوب، الذي لا يزال يعيش أجواء الحرب تحت سقف الهدنة المعلنة مع
إسرائيل.
تزامن موقف عون مع تحرك نيابي واسع مؤيد لاستمرار القوة، بعدما وقّع 86 نائبًا عريضة تطالب
مجلس الأمن بالحفاظ على وجودها، وهو ما يمنح المطلب اللبناني غطاءً سياسيًا أوسع من موقف السلطة التنفيذية وحدها. لكن القرار 2790 وصف الولاية الحالية بأنها التمديد الأخير، ما يجعل الطلب اللبناني مختلفًا عن جولات التجديد السابقة: المطلوب هذه المرة إعادة النظر في نهاية سبق أن قررها مجلس الأمن نفسه.
ويأتي هذا السعي إلى إبقاء حضور دولي فيما يسجل الجنوب ارتفاعًا في النشاط العسكري. فقد أعلنت "اليونيفيل" أنها رصدت بين 5 و16 آب متوسط 137 مقذوفًا يوميًا في الجنوب، وصل إلى 208 يوم السبت و185
يوم الأحد. وتكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية لأنها تأتي فيما تستعد القوة التي تتولى أصلًا الرصد والمراقبة في الجنوب لإنهاء عملياتها. فهل يخرج الوجود الدولي من الجنوب مع "اليونيفيل"، أم تبقى وظائفه تحت اسم وحجم وأدوات مختلفة؟
ماذا ينتهي في 31 كانون الأول؟
يرسم القرار 2790 مسارًا واضحًا، فقد حدّد نهاية عمليات "اليونيفيل" في 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ في التاريخ نفسه انسحابها التدريجي والمنظم من الجنوب خلال عام. وبهذا وضع مجلس الأمن للقوة بصيغتها الحالية موعدًا صريحًا للخروج، يبدأ بوقف العمليات وينتهي بسحب عناصرها، بدل ترك مصيرها رهناً بتقييم جديد عند انتهاء الولاية.
غير أن القرار نفسه يفتح بابًا آخر في اللحظة التي يغلق فيها باب "اليونيفيل". فقد طلب من
الأمين العام دراسة خيارات تتعلق بـ"مستقبل تنفيذ القرار 1701" بعد انسحاب القوة. وهنا تظهر المسافة بين إنهاء بعثة عسكرية وإنهاء الإطار الذي تعمل ضمنه. فالقرار 1701، الذي وسّع منذ عام 2006 وظائف "اليونيفيل" ورسّخ دورها في ترتيبات الجنوب، لا يسقط مع انتهاء البعثة، ومجلس الأمن تعامل منذ البداية مع مرحلة تالية تحتاج إلى أدوات أخرى لتنفيذه.
يعني ذلك أنّ رحيل "اليونيفيل" لا يلغي تلقائيًا الوظائف التي اضطلعت بها طوال السنوات الماضية. فالخط الأزرق يبقى قائمًا، والحاجة إلى الرصد والإبلاغ والاتصال بين
لبنان وإسرائيل لا تختفي بقرار إنهاء البعثة، وكذلك الحاجة إلى آلية تخفف احتمالات سوء التقدير أو تحول حادث محدود إلى مواجهة أوسع. لذلك قد يكون 31 كانون الأول نهاية للقوة الموجودة على الأرض اليوم، من دون أن يكون نهاية للحاجة السياسية والميدانية التي أبقتها هناك.
الاسم يتغير.. فهل تتغير الوظيفة؟
هذا ما تكشفه التصورات الثلاثة التي أعدها غوتيريش لما بعد "اليونيفيل". فهي لا تقترح استنساخ القوة الحالية تحت اسم آخر، لكنها لا تنطلق أيضًا من فراغ. في كل الخيارات يبقى وجود أممي بلباس عسكري يتولى المراقبة والرصد والإبلاغ والاتصال والمساهمة في خفض الاحتكاك، مع قدرات مساندة وعناصر مسلحة لحماية المراقبين غير المسلحين. ويختلف الحجم بين تصور وآخر، من نحو 1980 عنصرًا في الخيار الأخف إلى 5525 في الأوسع، بما ينعكس على نطاق الانتشار والقدرة على تغطية مساحة أكبر.
وبذلك، لا تعني نهاية "اليونيفيل" بالضرورة اختفاء كل ما تقوم به. فقد تنتهي القوة بتركيبتها الحالية، فيما تنتقل بعض وظائفها إلى بعثة أصغر وأخف وأكثر تحديدًا. عندها يكون التغيير في شكل الوجود الدولي وحجمه، لا في كل المهام التي يؤديها. فالبديل، إن أُنشئ، لن يكون "يونيفيل" ثانية، لكنه قد يرث منها الوظائف التي يرى مجلس الأمن أن تنفيذ القرار 1701 لا يزال يحتاج إليها.
ولهذا يتجاوز الخلاف مسألة التمديد نفسها. فالولايات المتحدة وإسرائيل دفعتا نحو إنهاء الصيغة الحالية، بينما يتمسك لبنان باستمرار المظلة الدولية، وظهر بالتوازي اقتراح ألماني لقوة بتفويض
أوروبي يمكن أن تحل محلها. وبين هذه المواقف يتحول السؤال من بقاء "اليونيفيل" أو رحيلها إلى شكل ما سيأتي بعدها: كم سيكون حجمه، وأين سينتشر، وما الذي سيراقبه، وما الصلاحيات التي ستُمنح له؟
قد ينتهي اسم "اليونيفيل" في 31 كانون الأول، وتبدأ بعدها فعلًا عملية تفكيك بعثة عمرها نحو نصف قرن. لكن النهاية التي قررها مجلس الأمن لا تبدو، حتى الآن، نهاية لكل الوظائف التي أدتها القوة. فالمجلس نفسه طلب التفكير بما يليها، والأمم المتحدة وضعت تصورات تحتفظ بجزء من مهامها، ولبنان يضغط لمنع تحول الانسحاب إلى فراغ كامل.
وعليه، قد لا يفصل 31 كانون الأول بين جنوب تحت مظلة دولية وآخر بلا أي حضور خارجي، بقدر ما يفصل بين صيغتين لهذا الحضور: واحدة حملت اسم "اليونيفيل" وتركيبتها المعروفة، وأخرى لم يُحسم شكلها بعد، لكن بعض وظائفها بدأ يظهر بالفعل في التصورات الموضوعة لما بعدها.