لم يكن المغتربون اللبنانيون الذين قصدوا لبنان هذا الصيف يحتاجون إلى كثير من الوقت لاكتشاف أن شيئًا تغيّر في بلدهم. فلبنان الذي تركوه منذ أشهر أو سنوات لا يشبه تمامًا لبنان الذي عادوا إليه، ليس في جماله وطبيعته وحياته الليلية ولا في دفء أهله، وإنما في كلفة الحياة التي أصبحت تفوق أحيانًا ما كانوا يتوقعونه.
وفي المجالس الخاصة، يتردد كلام تختصره عبارة واحدة: صحيح أن لبنان أحلى بلد في العالم، لكنه أيضًا أغلى بلد.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مبالغًا فيها، لكنها تعبّر عن صدمة حقيقية يشعر بها بعض المغتربين عند مقارنة الأسعار
اللبنانية بما اعتادوا عليه في البلدان التي يعيشون فيها. فالفارق بين لبنان الذي يتوقعه السائح اللبناني الآتي من الخارج ولبنان الذي يجده على أرض الواقع لم يعد بسيطًا.
مطعم، فندق، شقة مفروشة، سيارة أجرة، نشاط سياحي، وحتى بعض الخدمات اليومية، كلها أصبحت تحتاج إلى حسابات دقيقة. والمشكلة ليست في ارتفاع الأسعار بحد ذاته، إذا كان وراؤه ارتفاع في كلفة التشغيل، وإنما في أن الأسعار اللبنانية باتت في بعض القطاعات تضاهي أسعار مدن وبلدان ذات مستويات دخل وخدمات أعلى بكثير. وهنا تكمن المفارقة.
فالمغترب يأتي إلى لبنان وفي ذهنه أنه سيستفيد من فارق العملة أو من انخفاض كلفة المعيشة مقارنة ببلد إقامته، فإذا به يجد نفسه أمام أسعار لا تختلف كثيرًا عن الأسعار التي يدفعها في الخارج، وأحيانًا تتجاوزها في بعض الخدمات.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل.
فلبنان لا يزال يمتلك ما لا تستطيع الأسعار وحدها أن تقيسه: البحر والجبل، السهر والحياة، المطبخ، الضيافة، العلاقات الاجتماعية، والقدرة الاستثنائية على تحويل الأزمة إلى مناسبة للفرح. وهذه عناصر تجعل لبنان جذابًا مهما ارتفعت كلفة الزيارة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجدية هو: إلى متى يمكن أن يبقى لبنان معتمدًا على حنين المغتربين وقدرتهم على الدفع؟
فاللبناني المغترب ليس مجرد زائر موسمي. هو أحد أهم روافد الاقتصاد اللبناني، وتحويله إلى زبون قادر على تحمل أي سعر لأنه مغترب قد يكون خطأ استراتيجيًا على المدى
الطويل.
المطلوب ليس العودة إلى زمن الأسعار المنخفضة، فهذا غير واقعي، ولا تجاهل ارتفاع كلفة التشغيل والطاقة والإيجارات وسواها. المطلوب هو توازن بين كلفة الخدمات وقدرة المستهلك، وخصوصًا اللبناني المقيم والمغترب الذي يشكل العمود الفقري للموسم السياحي.
فإذا كان لبنان يريد أن ينافس على الخريطة السياحية الإقليمية، عليه ألا يكتفي بشعار "لبنان أحلى بلد في العالم"، بل أن يضيف إليه شرطًا آخر: أن يكون لبنان بلدًا يمكن للسائح أن يستمتع به من دون أن يشعر بأنه يدفع ثمن جماله مرتين.
فاللبنانيون يحبون بلدهم مهما قست الظروف، والمغتربون يعودون إليه لأنهم يحملونه في قلوبهم. لكن الحب لا يلغي الحساب، والحنين لا يلغي القدرة الشرائية.
ولذلك، ربما تكون العبارة التي تتردد في المجالس الخاصة بمثابة جرس إنذار اقتصادي وسياحي أكثر منها مجرد شكوى من الأسعار.