لم تعد روسيا المورّد العسكري الذي لا بديل منه في آسيا الوسطى. فبينما لا تزال جيوش المنطقة تعتمد على ترسانة سوفييتية وروسية واسعة، تتقدم الصين تدريجياً من بيع المسيّرات والمركبات إلى قطاعات أكثر حساسية، تشمل الدفاع الجوي والطيران العسكري.
يظهر التحول بوضوح في أوزبكستان، التي بدأت تعاونها مع بكين بشراء طائرات مسيّرة مسلحة، قبل أن تتجه إلى منظومات دفاع جوي صينية من طراز "FD-2000". وخلال تموز وآب 2026، ظهرت تقارير عن احتمال حصول طشقند على مقاتلات "J-10CE"، تحدث بعضها عن تسلم أربع طائرات ضمن صفقة قد تصل إلى 24 مقاتلة.
ولا تزال هذه المعلومات غير مؤكدة رسمياً، لكن طرحها وحده يكشف حجم التغير. فدخول المقاتلات الصينية إلى ترسانة دولة كانت مرتبطة لعقود بالمنظومة الروسية يعني انتقال بكين من توريد المعدات المساندة إلى منافسة موسكو في قلب القوة الجوية.
وفي كازاخستان، حصلت القوات على مسيّرات "Wing Loong-1" وطائرات نقل عسكرية من طراز "Y-8F-200"، رغم استمرارها في تشغيل مقاتلات "Su-30SM" الروسية. ولا تسعى أستانا إلى قطع علاقتها العسكرية مع موسكو، بل إلى تقليل اعتمادها على مورد واحد.
ويمتد الحضور الصيني إلى تركمانستان عبر منظومات الدفاع الجوي والرادارات والمسيّرات، وإلى طاجيكستان من خلال العربات المدرعة وأمن الحدود والمشاريع القريبة من أفغانستان. أما في قيرغيزستان، فتراكم بكين نفوذها بهدوء عبر المعدات والاتصالات والمساعدات والتدريب، رغم بقاء الوجود العسكري الروسي قوياً.
وسرّعت حرب أوكرانيا هذا التحول. فوفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تراجعت صادرات روسيا من الأسلحة الرئيسية بنسبة 64 في المئة خلال الفترة 2021–2025 مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، وانخفضت حصتها من السوق العالمية من 21 إلى 6.8 في المئة.
اضطرت الصناعة الدفاعية الروسية إلى إعطاء الأولوية لاحتياجات الحرب، بينما زادت العقوبات صعوبة الحصول على بعض المكونات. وفي المقابل، باتت الصين قادرة على عرض مقاتلات وصواريخ ومسيّرات ورادارات وأنظمة دفاع جوي متطورة، لا مجرد أسلحة منخفضة الكلفة.
لكن روسيا لم تخسر آسيا الوسطى. فهي ما زالت تملك قواعد ونفوذاً سياسياً وعسكرياً، وتعتمد جيوش المنطقة على معداتها وتدريبها. ما تخسره موسكو هو الاحتكار، مع صعود الصين وتركيا وتوسع الصناعات المحلية.
لذلك لا تستبدل دول المنطقة تبعيتها لروسيا بتبعية للصين، بل تتبع سياسة "تعدد الخيارات". وإذا تأكدت صفقة المقاتلات الأوزبكية، فستكون العلامة الأوضح على تحول آسيا الوسطى من سوق روسية شبه مغلقة إلى ساحة تنافس دفاعي متعدد الأقطاب. (ارم)