ذكر موقع "Jerusalem Center for Security and Foreign Affairs"، أنّه "في أواخر شهر تموز، حظي الرئيس
الإيراني مسعود بزشكيان أخيراً بلقاء مع الزعيم الأعلى الجديد والمُحاط بالغموض، مجتبى خامنئي. هذه هي الرواية الرسمية، على الأقل. فقد صرح بزشكيان لاحقاً بأن الاجتماع استمرّ سبع أو ثماني ساعات. وبنبرة واثقة تعكس خلفيته كجراح قلب سابق، طمأن الإيرانيين بأن خامنئي يتمتع بـ"صحة ممتازة". وقد ناقشا قضايا الاقتصاد والعقوبات والوحدة الوطنية، وبدا أنّ كل شيء يسير بشكل طبيعي تماماً".
وأضاف الموقع الإسرائيليّ في تقرير ترجمه "
لبنان 24": "أما الرواية غير الرسمية فتصف مشهداً أقرب إلى المسرح السياسي أو روايات الجاسوسية. فوفقاً لقناة "
إيران إنترناشيونال"، نُقل بزشكيان بسيارة إلى موقع غير معلوم، ومن ثم نُقل إلى مركبة تجارية ذات نوافذ معتمة، ووُضع بجوار رجل قيل له إنه الزعيم الأعلى. ظلت السيارة مظلمة، ولم يُسمح بأي مصافحة؛ وقيل إنّ اللقاء كان مقتضباً واقتصر تماماً على التواصل الصوتي. ويُقال إن بزشكيان غادر المكان وهو يتساءل عما إذا كان قد التقى بمجتبى خامنئي حقاً أم لا.
وبحسب الموقع: "لدى إيران زعيم أعلى لا يكاد يراه أحد، ورئيس لا يستطيع الوصول إليه بشكل موثوق، ومؤسسة عسكرية تتخذ القرارات باسمه بشكل متزايد. لم يعدّ السؤال مقتصراً على ما إذا كان مجتبى خامنئي حياً أو مصاباً أو في مرحلة تعافٍ. السؤال الحقيقي هو "من الذي يدير إيران بحق الجحيم؟" يقول مثل فارسي قديم "لا يجتمع ملكان في مملكة واحدة". لكن يبدو أنّ إيران المعاصرة قد وجدت متسعاً لأربعة".
الرجل القابع في الظل
رسمياً، يتربع مجتبى خامنئي على قمة هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية. فقد ورث المنصب واسم عائلة والده، علي خامنئي. ومع ذلك، فقد تولى السلطة وهو يعاني من ضعف بسبب إصابة، ويفتقر إلى الخبرة، ويعتمد كلياً على الحرس الثوري الذي دعم خلافته. لقد زاد غيابه
الطويل عن الأنظار من حالة الغموض المحيطة به. فمنذ توليه منصب المرشد الأعلى، كان يحكم البلاد غالباً عبر بيانات مكتوبة ووسطاء وقنوات اتصال تخضع لرقابة صارمة. وفي إيران، حيث تُعدّ صورة القائد جزءاً لا يتجزأ من آلة السلطة، لا يُعتبر التواري عن الأنظار مجرد إجراء أمني احترازي، بل إنه يخلق فراغاً.
ووفق الموقع الإسرائيليّ: "قد يمتلك مجتبى اللقب والعباءة الدينية واسم خامنئي، لكن الرجال المحيطين به هم من يسيطرون على السلاح والسجون وملفات الاستخبارات والصواريخ. المرشد الأعلى يضع التوقيع، بينما يمسك الحرس الثوري بالقلم.
أحمد وحيدي: القائد الهادئ
وتابع الموقع: "يُعد أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإسلامي، أبرز هؤلاء الرجال. ولم يكن وحيدي سياسياً ارتدى الزي العسكري صدفة، فقد أفرزته المنظومة الأمنية، وصقلته الحرب
الإيرانية العراقية، وأكمل "فيلق القدس" السري إعداد شخصيته. لقد شغل مناصب
وزير الدفاع ووزير الداخلية، كما قاد الأداة الإيرانية الرئيسية للعمليات الخارجية السرية. ولا يُعرف عنه أنه خطيب يتمتع بكاريزما أو استعراضي ثوري، بل يصفه المطلعون على مسيرته المهنية بصفات قد تكون أكثر خطورة وتأثيراً: فهو رجل عملياتي منهجي ومنضبط ويتمتع بكفاءة إدارية وبيروقراطية عالية.
وأشار إلى أنّ "وحيدي لا يحتاج إلى التصفيق، بل يحتاج إلى السيطرة. فيكشف سجله عن رجلٍ يرى في الصبر سلاحاً، وفي السرية حمايةً، وفي التسوية مناورةً مؤقتة؛ فقد نجا من صراعات فصائلية أطاحت بقادةٍ كانوا أكثر صخباً وبروزاً منه. وتكمن خطورته تحديداً في أنه لا يحتاج إلى الصراخ؛ فهو يخطط وينتظر ويصمد".
عودة الحرس القديم
ولفت "Jerusalem Center for Security and Foreign Affairs" إلى أنّ "وحيدي لا يحكم بمفرده، إذ تحيط به مجموعة ضيقة من قادة الحرس الثوري المخضرمين ومسؤولي الاستخبارات الذين تعود مسيرتهم المهنية إلى عهد الثورة والحرب الإيرانية العراقية. ويُعدّ محسن رضائي عميد هذه النخبة الأمنية. فقد قاد الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق وساهم في تحويله من "ميليشيا أيديولوجية" إلى "دولة داخل الدولة". ويشغل حالياً منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ليقف بذلك عند نقطة التقاء السياسة العسكرية والدبلوماسية والاستراتيجية الوطنية".
وأضاف الموقع الإسرائيليّ: "هناك أيضاً محمد باقر ذو القدر، وهو ضابط آخر من الجيل المؤسس للحرس الثوري. لقد تنقلت مسيرته المهنية الطويلة بين مناصب في القيادة العسكرية والسلطة القضائية ومؤسسة الأمن القومي. ورغم أنّ رضائي حلّ محله مؤخراً في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إلا أنه لا يزال ضمن الدائرة المقربة من مجتبى بصفته مستشاراً سياسياً. كما هناك حسين طائب المقرب والموثوق منذ فترة طويلة لمجتبى، وهو الرئيس السابق لاستخبارات الحرس الثوري، ويرأس حالياً قوات "الباسيج"، وهي منظمة شبه عسكرية منتشرة في أنحاء البلاد وتُستخدم لمراقبة الأحياء، وفرض الامتثال الأيديولوجي، وقمع الاضطرابات بقسوة لا يمكن تصورها. فإذا كان وحيدي يحمي النظام من الأعداء الخارجيين، فإن طائب يحميه من شعبه".
نظام التشغيل
وتابع: "يقود وحيدي ساحة المعركة، ويرسم رضائي الاستراتيجية، ويربط ذو القدر بين المؤسسات، بينما يراقب طائب الشوارع. إنهم يشكلون معاً كياناً يفوق في أهميته مجرد دائرة استشارية، إنهم يمثلون "نظام التشغيل" للجمهورية الإسلامية. في الواقع، لقد مهدوا سراً الطريق لانقلاب صامت، وإن لم يكن بالمعنى التقليديّ. فلم تحاصر الدبابات القصر الرئاسي، ولم يُعلن أيّ جنرال عن نظام جديد عبر التلفزيون. لقد سيطرت المؤسسة الأمنية الإيرانية على المؤسسات الحاسمة من الداخل، إذ لم يقم الحرس الثوري بإلغاء دولة رجال الدين، بل تسلل إلى داخلها. لقد أبقوا على الدستور والطقوس والمصطلحات الدينية، بينما حصروا السلطة الفعلية في أيدي رجال ذوي خلفيات عسكرية واستخباراتية. لم يكن الأمر انقلاباً ضد الجمهورية الإسلامية، بل كان انقلاباً داخل الجمهورية الإسلامية".
أما عن بزشكيان، فيقول التقرير الإسرائيليّ إنّه "يشغل منصب الرئيس، لكن سلطته تبدو محصورة بشكل متزايد في إدارة الأزمات ونقص الموارد، والدفاع عن قرارات لا تحظى بشعبية، وشرح سياسات صِيغت في أماكن أخرى. إنه يدير تبعات السلطة دون أن يمتلكها فعلياً، كما أنه عاجز عن التنحي أو الاستقالة خشية التعرض لمحاولة اغتيال. ويشغل خامنئي نظرياً منصب المرشد الأعلى، لكن من الواضح أنه لم يختر الكتلة الأمنية المحيطة به؛ بل إن تلك الكتلة هي التي اختارته ليكون مصدر الشرعية الذي تحتاجه. إنه زعيم معزول وتشير التقارير إلى أنه مصاب، وتحيط به مجموعة من الرجال الأكبر سناً، الراسخين مؤسسياً، والأكثر خبرة بكثير في ممارسة السلطة القسرية".
وختم قائلاً: "قد يجلس مجتبى على العرش، لكن الحرس الثوري هو من بنى الغرفة، ويُسيطر على الأبواب، ويُقرّر من يدخل إليها. لا يحكم إيران رجل واحد حالياً، بل تديرها مديرية أمنية تعمل من خلف ظلّ المرشد الأعلى. فخامنئي يُوفّر الشرعية الدينية واستمرارية الحكم، بينما يتولى وحيدي القيادة العسكرية، ويقدم رضائي السلطة الاستراتيجية، ويؤمن ذو القدر النفوذ المؤسسي، ويتولى طائب مهام الاستخبارات والقمع الداخلي".