بدأت الأجواء في المنطقة تغلي مجدداً، وبوتيرة توحي بأن التصعيد لم يعد مجرد جولات متفرقة يمكن احتواؤها، بل بات يتجه بسرعة نحو انفجار هائل قد يفتح أبواب حرب إقليمية واسعة. فالمؤشرات العسكرية والسياسية التي تظهر تباعاً على أكثر من جبهة تبدو مترابطة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية في
الولايات المتحدة الأميركية ودخول المنطقة مرحلة شديدة الحساسية.
الجبهة اليمنية تشكل واحداً من أبرز هذه المؤشرات. فالتصعيد هناك لم يعد محصوراً بالمواجهة الداخلية بين حكومة صنعاء وحكومة عدن، بل أخذ خلال الفترة الأخيرة بعداً إقليمياً أكثر وضوحاً، مع ارتفاع مستوى المواجهة بين الحوثيين والمملكة العربية
السعودية وعودة الاستهدافات المتبادلة إلى الواجهة.
خطورة هذه الجبهة لا ترتبط باليمن وحده، بل بالموقع الاستراتيجي الذي تشغله وبقدرتها على التأثير في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق باب المندب. وأي توسع إضافي في العمليات العسكرية هناك قد ينعكس سريعاً على البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية، وبالتالي على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
لكن ما يحصل في اليمن ليس سوى جزء من المشهد. ففي الجهة الأخرى، يتصاعد الاشتباك بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بصورة لافتة، بعدما رفعت طهران مستوى عملياتها ضد القطع البحرية العسكرية الأميركية، بالتوازي مع تشديد الضغط في مضيق هرمز ومحاولة تحويله مجدداً إلى نقطة اختناق استراتيجية أمام
واشنطن وحلفائها.
الولايات المتحدة من جهتها لم تبقَ في موقع المتلقي، إذ رفعت مستوى عملياتها، ووصل التصعيد إلى استهداف ناقلات نفط إيرانية، في تطور يحمل دلالات شديدة الخطورة لأنه ينقل الصراع تدريجياً من الضغط والرسائل العسكرية إلى استهداف المصالح الاقتصادية الحيوية بصورة مباشرة.
وكان طبيعياً أن تهتز أسواق الطاقة أمام هذا المشهد، مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط واقترابها من عتبة المئة دولار للبرميل. وهنا تحديداً تصبح المعركة أكثر حساسية بالنسبة إلى الداخل الأميركي، لأن أي ارتفاع كبير ومستمر في أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي على الإدارة والحزب
الجمهوري.
من هنا، يمكن قراءة التصعيد
الإيراني باعتباره أبعد من مجرد ردود عسكرية متفرقة. فهناك ما يوحي بأن طهران تعمل على بناء أرضية تسمح لها، إذا اتخذ القرار، بالانتقال إلى مواجهة أكبر قبل الانتخابات الأميركية، مستفيدة من أوراق هرمز وباب المندب والجبهات الإقليمية لرفع الكلفة على واشنطن والتأثير سلباً في المزاج الانتخابي الأميركي ونتائج الجمهوريين.
وسط كل ذلك، يبرز مؤشر إسرائيلي بالغ الأهمية. فالتصريحات المتتالية لرئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وحديثه عن وجود شيء يجري التحضير له في المنطقة وضرورة استكمال المهمة وصولاً إلى إسقاط النظام الإيراني، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تصعيد كلامي عابر.
هذه اللهجة تفتح الباب أمام احتمال أن تكون
إسرائيل تهيئ لعمل عسكري واسع ضد
إيران، وربما بصورة منفردة إذا اعتبرت أن الظرف الحالي يشكل فرصة مناسبة. وفي حال حصول خطوة من هذا النوع، فإن الرد لن يبقى بالضرورة محصوراً بين طهران وتل أبيب.
عندها قد تتحرك جبهات عدة دفعة واحدة، من الخليج ومضيق هرمز إلى اليمن والبحر الأحمر، وصولاً إلى ساحات أخرى في المنطقة. وما نشهده اليوم قد لا يكون الحرب الكبرى بعد، لكنه بالتأكيد يشبه إلى حد بعيد عملية تجهيز المسرح الذي يمكن أن تبدأ فوقه.