يُقال إنّ أفضل طريقةٍ لفهم صليبك هي أن تحاول التخلّص منه. وهذا ما فعله رجلٌ في حكايةٍ قديمة، حين ظنّ أنّ صليبه أثقل ممّا ينبغي.
يُحكى أن رجلًا أثقله صليبه، فذهب إلى الله يشتكي ثقل حمله، ويطلب أن يُبدَّل له بصليب آخر أخف. فأخذه الله إلى مخزن كبير، فيه صلبان لا تُحصى، من كل شكل وحجم. جال الرجل بينها طويلًا، يجرّب هذا فيثقل عليه، ويحمل ذاك فيطول عليه أكثر من قامته، حتى وقعت عيناه على صليب صغير، خفيف، مسنود إلى الحائط في زاوية بعيدة. حمله ففرح بخفّته، وقال: هذا هو المطلوب. فابتسم الله وقال له: هذا هو صليبك الذي أتيت به.
هذه القصة، وإن لم يكن لها أصل توثيقي محدد، تختصر حقيقة يعرفها كل من حمل همًّا يومًا: نحن نظن أن صليب غيرنا أخف من صليبنا، بينما الحقيقة أن كل صليب صُنع على قياس حامله بالذات. لا يوجد صليب "عام" يناسب الجميع، لأن كل حمل مرتبط بصاحبه وحده، بقدرته وضعفه، بتاريخه وما لا يعرفه عنه أحد.
والأعجب في الحكاية أن الرجل لم يكتشف الحقيقة إلا بعد أن جرّب كل الصلبان الأخرى ووجدها إما أثقل أو أطول من قامته. فكأنّ المسافة الوحيدة التي يقطعها الإنسان ليفهم صليبه، هي أن يقارنه بغيره أولًا، ثم يعود إليه في النهاية، لا لأنه الأخف، بل لأنه
الوحيد الذي يلائم قامته بالضبط. وهنا يكمن الفرق بين من يقضي حياته يقارن حمله بأحمال الآخرين، ومن يدرك أن صليبه، مهما بدا ثقيلًا، هو الشكل الذي رُسم على مقاسه هو، لا على مقاس أحد سواه.
فصليب أحدهم قد يكون أزمة معيشية تُثقل كاهله كل صباح، وصليب آخر قد يكون فقدان إنسان عزيز لا يملأ غيابه أحد، وثالث يحمل صليب مرضٍ يصارعه في صمت، ورابع يقف أمام امتحانٍ يقرر مصيره، وخامس يحمل همًّا لا يُرى، كصراعٍ داخلي أو خوفٍ لا يبوح به لأحد. أشكال الصلبان لا تُحصى بعدد البشر، ولكل واحدٍ منها ثقله الخاص الذي لا يقاس بمعيار غيره: فالمصاب الذي يبدو بسيطًا لشخص، قد يكون الأثقل على آخر، والعكس صحيح.
ولعلّ هذا ما يجعل مسيرة كل إنسان مع صليبه مسيرة صامتة، لا يشاركه فيها أحد بالكامل، مهما أحاطه من محبين. فالآخرون يرون
الصليب من الخارج، شكله وثقله
الظاهر، لكنهم لا يشعرون بوطأته كما يشعر بها صاحبه وحده، في لحظات لا يراها أحد.