تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

في جلسة المساءلة...هذا ما قاله سلام

Lebanon 24
15-09-2026 | 04:05
A-
A+
في جلسة المساءلة...هذا ما قاله سلام
في جلسة المساءلة...هذا ما قاله سلام photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

أكد رئيس الحكومة نواف سلام، في خلال جلسة مساءلة الحكومة، أنه يقف أمام المجلس في "كلمة مصارحة" لعرض واقع البلاد كما هو، وما تمكنت الحكومة من فعله في مواجهة التحديات التي واجهتها.

وقال سلام: "حذرنا مراراً من مغبة الدخول في الحرب التي تضرب المنطقة، ودعونا إلى تحكيم العقل وحسن الحساب رأفة بالبلاد وصوناً للمواطنين".

ولفت إلى أنه "بحسب تقدير البنك الدولي للحرب الأولى بلغت كلفتها الإجمالية نحو 14 مليار دولار"، مشيراً إلى أن "الحرب الأخيرة كلفتها المباشرة حتى الآن، في تقدير أولي للبنك الدولي، تتراوح ما بين 3 و4 مليارات دولار".

وأكد رئيس الحكومة أن التحديات الجسيمة لم تمنع الحكومة من القيام بواجباتها كاملة، مشدداً على أنه "إذا كان الواقع المعيشي الصعب الذي نعيشه نتيجة أزمات متراكمة، فإننا لم ولن نستسلم لهذا الواقع، بل نحن عازمون على مواجهته". 

 
Advertisement
وجاء في نص الكلمة: 
 
دولة الرئيس،
السيدات والسادة النواب الكرام،
أقف اليوم أمام مجلسكم الكريم باسم حكومة "الإصلاح والإنقاذ" في كلمة مصارحة، لأعرض واقع البلاد كما هو، وما تمكّنا من فعله أمام التحديات الجسام التي واجهتنا، وما نلتزم بإنجازه خلال المرحلة المقبلة.
وكما كان نهجنا دائماً منذ تشكيل هذه الحكومة، سوف أخاطبكم بصدق وشفافية، وبلغة المسؤولية الوطنية وليس بمنطق التبرير أو إطلاق الوعود التي لا سند لها.
وأريد، من هنا وعبركم، أن أصارح جميع اللبنانيين: واقعُنا صَعبٌ، بل صَعبٌ جداً. لكن الخروج منه ليس بمستحيل عندما تتضافر الجهود المخلصة لوضع المصلحة الوطنية، فعلاً لا قولاً، فوق أي اعتبار آخر… من أي نوع كان.
دولة الرئيس،
لقد داهمت لبنان، في آذار الماضي، حرب لم نخترها، ولم نُسأل حتى عن رأينا في خوضها، بل فُرضت علينا في لحظة لم تكن فيها الجراح العميقة لحرب 2023-2024 قد التأمت بعدُ. وعندما رأينا مخاطر الحرب تزداد في المنطقة، حذّرنا، مرة بعد مرة، كما تعرفون جميعاً، من مغبة الدخول فيها، ودعونا إلى تحكيم العقل وحُسن الحساب، صوناً للبلاد ورأفةً بالمواطنين... لكنكم كلكم تعرفون ما حصل. أمّا النتائج فهي كالآتي:

فبحسب تقدير البنك الدولي للحرب الأولى التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023، بلغت كلفتها الإجمالية حوالي 14 مليار دولار، منها نحو 7.2 مليار في الأضرار المادية، ونحو 6.8 مليار في الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطل النشاط وتراجع الإنتاج والإيرادات. وطبعاً كانت كلفتها الأكبر أكثر من 4,000 شهيدٍ وأكثر من 16,000 جريحٍ.
أما الحرب الأخيرة التي بدأت في 2 آذار، فكلفتها المباشرة حتى الآن، في تقدير أوليّ للبنك الدولي، تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار. وهذا الرقم لا يشمل الكلفة الاقتصادية التي تتجاوز الدمار المادي المباشر لتصل، في أقل تقدير حتى الآن، إلى ما بين 4 و5 مليارات دولار. وهنا أيضاً، فإن الكلفة الأكبر طبعاً هي أكثر من 4,000 شهيد وأكثر من 12,000 جريح.
 
وبالتالي، فإن الحربين معاً كلفتا لبنان بالتأكيد أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز كلفتهما الإجمالية 27 مليار دولار عندما يكتمل احتساب حرب 2026.
لكن هذه الأرقام، على فداحتها، لا تعبّر عن الكلفة الحقيقية كاملة، لأنها لا تحتسب قيمة هجرة الكفاءات، وخسارة الاستثمار، وتأثر التعليم، وتراجع قيمة الأراضي والأصول، وتأخير التعافي من الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019.
ما هي إذن حصيلة هاتين الحربين على لبنان؟ نحو تسعة آلاف شهيد، وأكثر من ثلاثين ألف جريح، وأكثر من مليون نازح في ذروة الحرب الأخيرة، وعشرات الآلاف من المنازل المدمرة، وأجزاء غالية من أرضنا أضحت رازحةً تحت الاحتلال، وفيها أكثر من 75 قرية ومدينة، ولا يزال أهلها عاجزين عن العودة إلى بيوتهم وأرزاقهم. أما الكلفة الاقتصادية للحربين فتتجه إلى تجاوز سبعة وعشرين مليار دولار كما سبق أن قلنا.
هذه ليست أرقاماً مجردة؛ إنها سنوات من النمو والاستثمار والإعمار وفرص العمل التي ضاعت من اللبنانيين.
وهكذا، وبعد أن شهد بلدنا نمواً اقتصادياً بنسبة 4.2 في المئة العام الماضي، ما كان يشكّل بداية لتعافٍ تدريجي، عدنا إلى انكماش مقدّر بنسبة 6.4 في المئة هذا العام. وتفاقمت هذه التداعيات مع تسارع وتيرة التضخم، لأسباب أكثرها خارجية، لا سيما ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الحرب في المنطقة، وتراجع تحويلات المغتربين، وتوقف النشاط السياحي.
 
دولة الرئيس،
أنا أعرف طبعاً وجع العائلات اللبنانية. أعرف كم ارتفعت أسعار السلع والحاجات الأساسية، وكم بلغ التضخم، كما أعرف كلفة المولدات الكهربائية.
وإذا كان الواقع المعيشي الصعب الذي نعيشه اليوم هو، من دون شك، نتيجة أزمات متراكمة، وإن كانت الحرب قد فاقمتها بالتأكيد، وقادت بدورها إلى وقف مسار النمو الذي كان قد بدأ،
فإننا لم ولن نستسلم لهذا الواقع، بل إننا عازمون على مواجهته.
ونتحدث هنا اليوم، فيما هناك أكثر من 250 ألف لبناني ما زالوا في عداد النازحين. كما أن الحرب الأخيرة قد أدت إلى تدمير 91 ألف وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي، ما يضاف إلى نحو 230 ألف وحدة تضررت خلال الحرب السابقة، ناهيكم بالقرى والبلدات التي تم تدميرها بالكامل.
غير أن هذه التحديات الجسام لم تمنع حكومتنا يوماً من القيام بمسؤولياتها خلال الحرب.
وقفنا إلى جانب أهلنا في الجنوب والضاحية والبقاع وفي كل المناطق التي طالتها الحرب. وحشدنا كل ما تملكه الدولة من إمكانات كي لا تُترك عائلة وحدها في محنتها، وكي لا ينام نازح دون مأوى، أو يُترك دون غذاء.
فاستجابةً لهذه الأزمة، قامت الحكومة منذ الساعات الأولى لوقوع الحرب الأخيرة بتفعيل غرفة العمليات المركزية لدى رئاسة مجلس الوزراء، معتمدةً آلية تنسيق شاملة. وقد أتاحت خطة الجهوزية الوطنية التي كنا قد عملنا مسبقاً على إعدادها تداركاً لاحتمال نشوب حرب جديدة، تحديد 325 مركزاً ممكناً للإيواء، وهو الأمر الذي سمح بتأمين مراكز إيواء بشكل سريع ومنظم، منذ اليوم الأول للنزوح.
 
كما جاءت الاستجابة الإنسانية شاملة لعدة قطاعات، وقد جرى لتاريخه توزيع أكثر من خمسة عشر مليوناً وخمسمئة ألف، نعم خمسة عشر مليوناً وخمسمئة ألف، وجبة ساخنة وباردة، وأكثر من ستة ملايين لتر من مياه الشرب، وأكثر من 490 ألف بطانية.
وفي الوقت نفسه، حافظنا على برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها برنامج «أمان»، ووسّعنا المساعدات الطارئة للعائلات النازحة والصامدة والأكثر تضرراً. فتم توزيع مساعدات نقدية بلغ مجموعها 52 مليون دولار دعماً للأسر الأكثر هشاشةً، فضلاً عن توفير ما يزيد على 8 ملايين لتر من الوقود لمراكز الإيواء وقرى الشريط الحدودي.
ولا أعدّد كل ذلك منّةً على أحد، لأننا ما قُمنا إلا بما تمليه علينا المسؤولية الوطنية، ناهيكم بالواجب الأخلاقي، بل أقول ذلك رداً على من سمح لنفسه بأن يحاول استغلال آلام الناس ليشكك بحضور الدولة واستجابتها لمحنة أهلنا، متسائلاً بسخرية: «أين الدولة؟»
نعم، دولة الرئيس، لم تكن إمكاناتنا بلا حدود، فلم تكن الاستجابة كاملة.
لكن الدولة كانت حاضرة بقوّة، وقامت بواجبها بكل إمكاناتها التي تعرفون جميعاً محدوديّتها، وذلك في واحدة من أصعب الأزمات التي مرّ بها لبنان.
 
وأود الآن أن أُكمل مصارحتكم لأشارككم مخاوفنا البالغة الخطورة من النقص الجدي في التمويل والدعم الدوليين مقارنة باستجابة عام ٢٠٢٤. فعلى الرغم من أن النداءين الإنسانيين العاجلين اللذين أطلقناهما مع الأمم المتحدة، أولهما بحضور الأمين العام السيد أنطونيو غوتيريش في بيروت، قد حدّدا إجمالي احتياجات الاستجابة بنحو 639 مليون دولار، فإن التمويل المؤمّن لم يتجاوز ما نسبته 49.8٪ من إجمالي الاحتياجات، مقارنة بنسبة تغطية بلغت 94.9٪ عام 2024. ويعكس هذا التراجع إرهاق الجهات المانحة، وتغيّر الأولويات العالمية، وتراجع الانخراط الدولي، مما يشكّل خطراً على استمرارية المساعدات الإنسانية ونطاقها، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الإنسانية كبيرة.
على الرغم من صعوبة هذا الأمر، يبقى أن هدفنا ليس أن ندير نزوح أهل الجنوب، بل أن نعيدهم إلى أرضهم. وليس أن نعتاد على مراكز الإيواء، بل أن نغلقها. وليس أن نبقي أهلنا معتمدين على المساعدات، بل أن نعيد إليهم مقومات الحياة والعمل والصمود في بلداتهم وقراهم.
لذلك، نحن ننتقل اليوم من إدارة النزوح إلى التصدي لتحديات العودة والتعافي.
فجهود الحكومة تنصبّ اليوم على تأمين مقوّمات العودة الآمنة والكريمة للعائلات والنازحين الذين تمكنوا من العودة إلى مناطقهم، ولا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت، والنبطية، والزهراني، وصور، وفي كل الأماكن التي بدأنا نشهد عودة أهلها إليها.
وفي هذا السياق، أعطيت توجيهاتي الواضحة إلى جميع الوزارات والإدارات والهيئات المعنية، وفي مقدمتها وزارات الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاتصالات، ومجلس الإنماء والإعمار، ومجلس الجنوب، والهيئة العليا للإغاثة، للعمل بأقصى طاقاتها وبالسرعة المطلوبة على الأرض.
وقد حددنا الأولويات برفع الأنقاض، وفتح الطرقات وإصلاح المتضرر منها، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالجسور، واستحداث طرق ومعابر بديلة حيث تدعو الحاجة، بما يعيد ربط المناطق والقرى بعضها ببعض ويسهّل عودة الأهالي وحركتهم.
وبالتوازي، تعمل الحكومة على إعادة الخدمات الأساسية التي تشكل شرطاً أساسياً لاستدامة العودة. وقد باشرت وزارة الاتصالات إعادة ربط شبكات الاتصالات وتشغيلها في المناطق المتضررة، فيما تواصل وزارة الطاقة والمياه العمل على إعادة خدمات الكهرباء والمياه. كما باشرنا ترميم المدارس والمراكز الحكومية والمنازل المتضررة جزئياً، والتحضير لإقامة البيوت الجاهزة حيث تدعو الحاجة وفقاً لمعايير اجتماعية واضحة... ولا شك عندي أن كل من لديه الموضوعية المطلوبة قد لمس ذلك فعلاً.
وسوف تستمر الدولة بكل أجهزتها وإداراتها في حشد كل الإمكانيات لإنجاح هذا المسار في كل مرحلة من مراحله.
ولكن علينا أيضاً أن نصارح اللبنانيين: حجم الدمار أكبر بكثير من قدرة الدولة، بمواردها الحالية، على تحمّله وحدها. ولذلك فإن إعادة الإعمار والتعافي يحتاجان، إلى جانب موارد الدولة، إلى دعم عربي ودولي وتمويل خارجي كبير.
فلا إعادة إعمار مستدامة من دون تمويل، ولا تمويل من دون ثقة، ولا ثقة من دون دولة قادرة. والوصول إلى الدولة القادرة يتطلب طبعاً الإصلاح.
وفي مقدمة الإصلاحات المطلوبة تأتي الإصلاحات المالية. وكانت حكومتنا قد أحالت إليكم المشروع الهادف إلى تعديل قانون إصلاح المصارف، بما يتلاءم مع توصيات صندوق النقد الدولي. ونحن نقدّر لمجلسكم الكريم إقراره لهذه التعديلات، ما يقرّب لبنان من دخول مسار التعافي. ومن المعلوم أن حكومتنا قامت قبل ذلك بإحالة مشروع تعديل قانون السرية المصرفية، الذي تم إقراره أيضاً، ما يصب بدوره في السياق نفسه.
ونتطلع في الوقت نفسه إلى بدء مجلسكم الكريم بمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بمشروع قانون "الفجوة المالية"، الذي سيكمل الإطار القانوني اللازم لمعالجة هذه الأزمة.
وهنا، نعيد التأكيد أن حكومتنا لن تسترد مشروع القانون هذا لتفادي أي إضاعة للوقت، بينما طال — وعن حق — انتظار المودعين له، كما ان العالم يضع مصداقيتنا على المحك بهذا الخصوص. لكننا نؤكد استعدادنا الكامل للانخراط اللازم في مناقشة أي تعديلات مطروحة على مشروع القانون، تحت سقف مجلسكم الكريم. وحكومتنا مستعدة لإبداء كل التعاون في هذا المجال.
لكن علينا أن نكون واضحين: لن نستعيد النمو والثقة من دون استكمال الإصلاح المالي والمصرفي. ومن هنا مسؤوليتنا المشتركة، حكومةً ومجلساً نيابياً، في إنجاز قانون الفجوة المالية.
وفي هذا المجال، نعيد التأكيد على أهمية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، كخيار أساسي التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه ثقتكم الغالية. فهكذا اتفاق ليس مهماً بحد ذاته فقط، بل هو رافعة لا غنى عنها لاستعادة الثقة الدولية بلبنان، وبوابة للحصول على التمويل المطلوب من سائر الشركاء الإقليميين والدوليين في مساري التعافي المالي وإعادة الإعمار.
ففي انتظار استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي والمالي واستعادة الثقة وإعادة فتح قنوات التمويل، وفي ظل استمرار عدم الاستقرار، وغياب القدرة على تمويل الدولة من أسواق رأس المال، كان لا بد من التشدد بالإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات.
قد يسأل البعض: لماذا التشدد في الإنفاق في وقت يحتاج فيه الناس إلى الدعم؟
والجواب واضح: إن أي إنفاق إضافي غير ممول قد يعني مزيداً من الضغط على السيولة، ومزيداً من الضغط على العملات الأجنبية، ومزيداً من الضغط على الاستقرار النقدي وعلى الظروف المعيشية وعلى قدرة المواطنين على الوصول إلى ودائعهم وعلى مسار معالجة أزمة القطاع المصرفي.
فالانضباط لا يعني التخلي عن الناس، لا بل إنه في الحقيقة حماية للناس.
الانضباط المالي اليوم ليس خياراً، بل هو شرط للاستقرار. فهو:
خط دفاع عن الاستقرار النقدي.
وخط دفاع عن قدرة الدولة على دفع نفقاتها الأساسية.
وخط دفاع، في نهاية المطاف، عن المواطن وعن القدرة الشرائية لأمواله.
وباختصار، لا يمكن أن نواجه أزمة اليوم بالسياسات التي ساهمت في خلق أزمات الأمس.
فليس المطلوب من الدولة أن تنفق أكثر، ولكن المطلوب أن تنفق أفضل. وهذا ما نعمل عليه.
من هنا فإن خيارنا في مشروع موازنة 2027 سيستند إلى الحفاظ على الاستقرار بدلاً من عجز يُحدث تقلبات ويمسّ بالثقة؛ وحماية الفئات الأكثر هشاشة من دون تقويض الاستدامة المالية؛ والاستثمار في النمو من دون الإنفاق غير المنضبط؛ والاستمرار في الإصلاح بدلاً من تأجيله؛ وتعبئة الإيرادات من خلال الامتثال الضريبي والجمركي بدلاً من زيادة الأعباء على الاقتصاد والمواطنين.
فما نريده هو موازنة تهيئ للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة التعافي المستدام، موازنة مسؤولة مالياً، حامية اجتماعياً، داعمة للنمو، ومحفزة على الاستثمار.
فلا قطاعَ أوضحَ حاجةً إلى الاستثمار من قطاع الكهرباء.
فمعالجة أزمة الكهرباء وبناء معامل جديدة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات. والدولة اليوم لا تستطيع تأمينها وحدها.
وأبرز مشكلات القطاع: الاعتماد، على مدى سنوات طويلة، على حلول مؤقتة، مثل استئجار بواخر إنتاج الكهرباء، وعلى سلف الخزينة المتراكمة التي بلغت مليارات الدولارات.
وقد باشرنا العلاج: فشكّلنا الهيئة الناظمة للقطاع بعد تأخير دام 22 عاماً، وتم إقرار ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي تفتح الطريق أمام القطاع الخاص للاستثمار في إنتاج الكهرباء، ونعمل على إعادة هيكلة القطاع، كما نقف على عتبة تقدّم جديد على مستوى خط الغاز العربي، الذي يُفترض أن يصل قريباً إلى معمل دير عمار 1، ما من شأنه أن يرفع ساعات التغذية بكلفة أقل وبطريقة أكثر نظافة.
ومن جهة ثانية، عملنا على وقف المديونية وإنهاء سياسة السِلف. وقد وصلت التغذية الكهربائية إلى ما بين 7 و9 ساعات يومياً في شباط الماضي من دون تكبيد الخزينة ليرة واحدة، من خلال الاعتماد على تحسين الجباية فقط، قبل أن تعيد الحرب والارتفاع العالمي في أسعار النفط عقارب الساعة إلى الوراء.
لكن ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً لا يعطي أحداً الحق في استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، ولا يبرر مخالفة أصحاب المولدات الخاصة للتسعيرة الرسمية أو فرض رسوم وبدلات إضافية غير قانونية. لذلك، كثفت مديرية حماية المستهلك عمليات الكشف والمراقبة وتنظيم محاضر الضبط وإحالة المخالفين إلى القضاء لإجراء المقتضى القانوني وصولاً إلى حجز المولدات ومصادرتها.
ورسالتنا واضحة بهذا الخصوص، فمن يعتقد أنه يستطيع استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، أو أن الدولة ستغضّ النظر عن المخالفات، فهو مخطئ. فهي له بالمرصاد، والقانون سيُطبّق على الجميع دون استثناء.
أما الهم الإنمائي، فلم يكن يوماً هامشياً في عمل هذه الحكومة، بل كان حاضراً حتى في أحلك ظروف الحرب ومتطلبات الإصلاح المالي.
فقد عملت الحكومة على توسيع محطة الحاويات في مرفأ بيروت وتطوير بنيته المؤسسية والتشغيلية، بما يعيده رافعة اقتصادية للبنان بعد سنوات من التعثر الذي خلّفه انفجار الرابع من آب.
كما عملت حكومتنا على إعادة إحياء ملفات إنمائية معلقة، ومن أبرزها ملف مطار رينيه معوض في القليعات، إيماناً منا بأن أي نهوض حقيقي للبنان لا يمكن أن يبقى محصوراً في المركز، بل يجب أن يطال، جميع المناطق.
ومطار القليعات مثلاً ليس مشروعاً منفرداً بالنسبة إلينا، بل جزء من رؤية متكاملة للنهوض بالشمال وعكار، إلى جانب تطوير مرفأ طرابلس ومشروع سكة الحديد وتفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة ومعرض رشيد كرامي الدولي.
وعلى المستوى الاستراتيجي، عملت حكومتنا على تثبيت موقع لبنان في خارطة المشاريع الإقليمية، ولا سيما بما يتصل بخطوط التجارة وسلاسل توريد الطاقة، والتي كانت في صلب محادثاتي في إسطنبول وبغداد.
وبعد عملنا على وصل ما كان قد انقطع بين لبنان وأشقائه العرب، نجحنا في إعادة وصل الاقتصاد اللبناني مجدداً بأسواقه الطبيعية في عمقه العربي ، وفي إزالة العوائق أمام صادراته، لا سيما مع المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج. كما قمنا بتوطيد علاقات التعاون مع الشقيقة سوريا من خلال التوقيع على اتفاقية بين حكومتينا لإنشاء لجنة عليا لبنانية - سورية مشتركة.
إلا أن هذه الآفاق الجديدة التي فتحنا لن تعطي ثمارها كاملة إن لم ننجح في توطيد الأمن والاستقرار في بلادنا. وأكرر وبصراحة تامة أنه لا استقرار مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة دون سواها. وهذا ما كنا قد التزمنا به في بياننا الوزاري، ونعود اليوم أمامكم لنؤكد عهدنا بتحقيقه.
وفي هذا السياق، عملنا على تعزيز قدرات قواتنا المسلحة وباشرنا تحسين أوضاع أفرادها، ونعمل مع شركائنا العرب والدوليين على تأمين المزيد من الدعم لها. وأنتهز هذه المناسبة لأتوجه من هنا بأكبر تحية إلى جيشنا الذي يوسّع اليوم انتشاره في الجنوب، ويواكب عودة الأهالي، فيما تعمل سائر مؤسسات الدولة وإداراتها على استعادة حضورها ودورها.
ويبقى أنه لا أمن ولا استقرار طالما أن الحرب مستمرة في الجنوب.
فموقفنا واضح ولا يقبل المساومة. نريد إنهاء الحرب. وهدفنا انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، والإفراج عن كل أسرانا، وعودة آمنة وكريمة لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم، التي نريد إعادة إعمارها.
ولهذا الغرض، وبموجب المادة 52 من الدستور، يتولّى اليوم فخامة رئيس الجمهورية وبالاتفاق معي كرئيس للحكومة، المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تأكيداً على أن الدولة اللبنانية، وحدها دون سواها، هي من يفاوض باسم لبنان. صحيح أن بلدنا يتأثر بمجريات الحرب الدائرة في المنطقة تأثراً كبيراً، إلا أنه ليس ورقة تفاوض بيد الآخرين في مفاوضات يغيب عنها.
ولا يخفى عليكم أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ليست أمراً سهلاً، وشأنها شأن أيّ مفاوضات، لا تحقق نتائج بالسرعة التي يتوقعها البعض. فلبنان متمسك بسيادته على أراضيه كافة تمسّكاً لا لبس فيه ولا تهاون. والسيادة تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سيطرة الدولة بقواها الذاتية والعمل على حصر السلاح بيدها.
وكلكم يعلم أن الإطار الثلاثي الذي اتفق عليه في المفاوضات يشكل مرجعاً في المسار التفاوضي. لكنه ليس اتفاقاً بالمعنى القانوني للكلمة، بل إطاراً سياسياً. وبالتأكيد فهو ليس اتفاقية منجزة ليتم عرضها على مجلس الوزراء بهدف إبرامها.
غير أن الإطار الثلاثي تضمن سلسلة تدابير تنفيذية، وإن كانت من دون روزنامة، تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني. فالحكم الجدي على هذه المفاوضات لا يتوقف عند مرحلة من مراحلها، بل يكون بنتائجها النهائية.
مفهوم أن يكون هنالك من لا يوافق على مضمون هذا الإطار، أو أن يكون لديه ملاحظات على بعض بنوده، أما القول إنه يتضمن التزامات جديدة على لبنان غير متفق عليها، فأمر يثير الاستغراب، لا سيما أن التزام لبنان الرئيسي فيه هو حصر السلاح بيد الدولة. وهذا لا جديد فيه، فقد التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري، ومنحتموها الثقة على أساسه. وهو اساساً في صلب اتفاق الطائف، كما أنه وارد في اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تفاوضت عليه الحكومة السابقة عام 2024.
إذاً، المسألة ليست أن هناك من يطلب من لبنان اليوم التزاماً لم يسبق أن التزم به. المسألة هي كيف نحقق الأهداف التي نريدها جميعاً.
وأقولها بوضوح: أنا لست هاوياً للتفاوض لمجرّد التفاوض، ولا أخال أن أحداً من بين أعضاء الحكومة يهوى ذلك. لكن مسؤولية الدولة أن تختار الطريق الأقل كلفة على اللبنانيين لتحقيق أهدافها.
فالتفاوض بحد ذاته ليس تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة لاستعادتها بالطرق الدبلوماسية.
وفي الختام، أشكركم، دولة الرئيس، كما أشكر السادة النواب الكرام على حسن إصغائكم.
وبدورنا، أنا وكل أعضاء الحكومة، سنصغي باهتمام إلى مداخلاتكم، ونتطلع إلى نقاش مثمر بيننا لما فيه خير لبنان ومستقبل أفضل لكل أبنائه.
عشتم وعاش لبنان.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك