تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

أشهر بلا مكتب ولا موظف واحد.. "لبنان24" يكشف كواليس فضيحة "سلامة الغذاء"

جاد حكيم - Jad Hakim

|
Lebanon 24
21-09-2026 | 02:30
A-
A+
أشهر بلا مكتب ولا موظف واحد.. لبنان24 يكشف كواليس فضيحة سلامة الغذاء
أشهر بلا مكتب ولا موظف واحد.. لبنان24 يكشف كواليس فضيحة سلامة الغذاء photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في بلدٍ يضع "السياحة والمطبخ" في واجهة صورته الخارجية، يبدو المشهد الداخلي مختلفاً تماماً: هيئة رسمية يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن صحة الملايين من اللبنانيين الذين يتناولون الطعام يومياً في المطاعم والسوبرماركات والمحال الشعبية، تعمل اليوم من دون مكتب، من دون موظفين، من دون أي مخصصات مالية تُذكر. هذه ليست مبالغة صحافية، بل واقع يرويه رئيس الهيئة نفسه.
Advertisement
 
تعيين في شباط... وفراغ إلى اليوم
في 4 شباط 2026، صدر مرسوم تعيين البروفسور إيلي عوض رئيساً للهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء (LFSA)، في خطوة قُدّمت وقتها على أنها بداية جدية لتنظيم قطاع حساس طالما عانى من الفوضى والتقصير. لكن منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، أي بعد أكثر من سبعة أشهر على التعيين، لم تُرصد للهيئة موازنة فعلية، ولم يُفتح لها مكتب، ولم تُعيَّن كوادر أو مراقبون ميدانيون. المفارقة أن عوض نفسه كان قد رفع كتباً خطية إلى رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر ورئيس لجنة المال، مطالباً بمعاملة هيئة الغذاء أسوة بباقي الهيئات الرسمية، طالما أنه لا موازنة لها حتى الآن لمباشرة عملها، ولا مكتب لعقد الاجتماعات، ولا الحد الأدنى من العدة اللازمة كمختبر وموظفين ومراقبين. بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إنه كان يفضّل ألا يحصل التعيين أساساً إذا كان الوضع سيبقى على هذا النحو.
 
بين التشريع والتنفيذ... مَنْ يدفع الثمن؟
ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن الهيئة، بحسب ما قال رئيسها لـ"لبنان24"، ليست جهة تنظيمية بحتة كباقي الهيئات، بل هي هيئة ذات طابع تنفيذي أيضاً، ما يفترض أن تحظى بأولوية أكبر في التمويل لا أن تُترك من دون أي غطاء مالي. فبينما تملك معظم الإدارات والمؤسسات العامة اللبنانية أنظمة مالية تتيح لها الاستمرار بالعمل ريثما تُقَرّ المراسيم التطبيقية في مجلس الوزراء، تجد هذه الهيئة نفسها معلّقة بين مجلس إدارة يضع الأطر الفنية، وحكومة يُفترض أن تحيل الأنظمة المالية والإدارية إلى الوزارات المعنية تمهيداً لإقرارها في مجلس الوزراء، من دون أي جدول زمني واضح لإنجاز هذه الخطوة.
 
النتيجة: هيئة معلّقة في فراغ إداري ومالي، بينما ملف الغذاء الذي تشرف عليه لا ينتظر أحداً.
 
الحصيلة على الأرض: طعام بلا رقابة حقيقية
الأخطر في هذه القصة ليس البعد الإداري وحده، بل انعكاسه المباشر على صحة الناس. فما تتحدث عنه مصادر خاصة متابعة لهذا الملف لـ"لبنان24" هو أن الإجراءات الرقابية المتّبعة حالياً محدودة وغير كافية، وأن حالات التسمم الغذائي التي يُسمع عنها بين الحين والآخر في لبنان ليست سوى العارض الظاهر لخلل رقابي أعمق، إذ لا يوجد نظام تتبّع فعلي يسمح بمعرفة مصير الشخص الذي يتسمم أو بمتابعة الشكوى التي يتقدم بها، بل إن كثيرين لا يجدون أصلاً جهة واضحة يتوجهون إليها للتبليغ.
 
بمعنى آخر حسب المصدر: اللبناني الذي يشتري قطعة دجاج من محل، أو يتناول وجبة في مطعم، أو يبتاع منتجاً غذائياً من سوبرماركت، يفعل ذلك اليوم في ظل غياب شبه كامل لأي جهة قادرة على ضمان أن هذا الغذاء خضع لأدنى معايير الفحص والمراقبة. وهذا تحديداً ما يجعل من قضية تمويل الهيئة أكثر بكثير من "خلاف إداري بيروقراطي"، بل قضية صحة عامة تمسّ كل بيت لبناني.
 
عوض يروي التفاصيل: "أنا الذي أوزّع البريد"
وفي حديث عبر "لبنان24"، تحدث رئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء البروفسور إيلي عوض بصراحة لافتة عن واقع الهيئة اليوم، وقال: "مجلس الادارة يضع الاطر الفنية، فكيف من الممكن أن نضع نظاماً مالياً كما طُلب منا؟ ورغم ذلك وضعنا النظام المالي والإداري وأرسلناه إلى الحكومة للمصادقة، وتمت المصادقة، ولكن من المفترض أن يتم إحالتهم إلى الوزارات المعنية ليوافق عليهم مجلس الوزراء. ولكن من الآن وإلى أن تتم الإحالة، كيف يمكن أن نحصل أقله وبالحد الأدنى على رواتب كي نستطيع القيام بعملنا؟"
 
وسأل :" فهل المطلوب من الموظفين اليوم أن يتحملوا كل ذلك لأن الدولة لا تدفع أو لا تقوم بواجباتها؟ من غير المعقول أن يُطلب من أي جهة تابعة للدولة العمل من دون الحصول على الدعم المالي، ونحن نتكلم هنا عن الدعم المالي العادي والمتعارف عليه من نفقات ورواتب للموظفين كي يتمكنوا من القيام بعملهم".
 
وأضاف موضحاً الفارق بين طبيعة عمل هيئته وباقي الهيئات:"نحن، صحيح، هيئة، ولكننا لسنا هيئة ناظمة مثل باقي الهيئات، يعني عملنا ليس فقط تشريعياً بل تنفيذياً أيضاً. وكل المؤسسات العامة في الدوائر اللبنانية لديها أنظمة مالية تسمح لها بالانطلاق بعملها إلى حين إقرار مجلس الوزراء المراسيم التطبيقية. فإذا كان مجلس الوزراء يريد أخذ رأي الإدارات المعنية المختلفة بالملفات، فماذا نستطيع أن نعمل؟ وكيف نعيش؟ وما هو المطلوب منا في هذه الحالة؟"
 
وعن التاريخ الفعلي لانطلاق عمل الهيئة من دون أي غطاء مالي، قال عوض: "بدأنا مباشرة العمل منذ 4-2-2026، وإلى حد اليوم لم نحصل على شيء. في الحد الأدنى نريد صرف مخصصاتنا، فنحن لا نطالب بعقد عقود أو القيام بمشاريع، ما نطالب به اليوم هو صرف مخصصاتنا فقط لنتمكن من البدء بعملنا".
 
ولم يوفّر عوض السلطات المعنية من النقد، إذ اعتبر أن ملف هيئته لا يحظى بالأولوية المطلوبة، وقال: "بخلاصة تواصلنا مع الحكومة استشفينا أن الملفات التي تنكبّ عليها اليوم هي الملفات ذات الأولوية، وعدا عن ذلك، الأمر اليوم عند وزارة المالية، وعقدة عدم التمكن من فتح حساب مصرفي.هناك إجراءات على الدولة القيام بها، وبالحد الأدنى المخصصات،عدا عن أن هذه الهيئة لها أولوية مثلها مثل أي ملف آخر، فنحن نتكلم هنا عن طعام يأكله الملايين يومياً في لبنان."
 
وحين سُئل عن واقع الرقابة الفعلية على سلامة الغذاء في لبنان اليوم، لم يُخفِ عوض قلقه، وقال: "مع الأسف، لا قدرة في بعض الأحيان على تقديم شكوى، لأنه لا يوجد متابعة صحيحة ولا يوجد مرصد، مع الأسف، لتتبع حال الشخص الذي تسمم."
 
وذهب إلى وصف واقعه الشخصي في إدارة الهيئة بأدق التفاصيل: "اليوم لا موظفين لدي ولا مكتب، وأنا أقوم بنقل البريد. ومع الأسف، رغم التركيز على عملنا، فإننا نقوم بأموالنا الخاصة بتسيير الأعمال اليوم، وهنا نتكلم بالحد الأدنى . فهل من الممكن أن نعلم كيف نستمر؟ وكيف يمكنني أن أتأكد من طعام اللبنانيين في وقت لا أعلم فيه ما إذا كان لدي القدرة على تأمين الطعام لأولادي؟"
 
100 مليار مطلوبة... 49 مليار فقط أُقرّت
الأرقام التي كشفها عوض لـ"لبنان24" تختصر حجم الفجوة بين حجم المسؤولية المطلوبة من الهيئة وبين ما خُصص لها فعلياً، إذ قال: "كنا قد طلبنا في الموازنة قرابة 100 مليار ليرة، في حين أوضحت الجداول أن ما تمت الموافقة عليه هو 49 مليار ليرة فقط. فكيف يمكن أن نُدير ملفات غذائية بهذه الحساسية بهذه الأموال؟ هذا عدا أن التجهيزات اللازمة والبنزين والاتصالات وتنقلات الموظفين، إضافة إلى التواصل مع المواطنين لمتابعة شكواهم، كل ذلك يحتاج إلى موازنة حقيقية. فكيف يمكن أن نعمل؟"
 
وفي إشارة إلى معارضة داخلية يواجهها في سعيه لتفعيل عمل الهيئة، قال:"الصلاحيات المتعلقة بالوزارات لو كانوا يقومون بها، لما كنا وصلنا إلى هنا، لأن هناك موظفين يقولون إنهم يجب أن يحافظوا على صلاحياتهم. لو كانوا يقومون بدورهم، لما كنا وصلنا إلى هنا. فهناك إجراءات عديدة يجب أن نقوم بها."
 
وختم حديثه بالإشارة إلى الطموح الذي يحمله لهيئته، رغم كل العراقيل: "هناك أمور كثيرة على عاتقنا، مثل تقييم المخاطر (Risk Assessment)، وإدارة المخاطر (Risk   Management)، واتخاذ القرار المرتبط بها (Risk Decision) ، فهناك نظام كامل يجب العمل عليه. أنا أريد أن أترجم النية إلى عمل فعلي على الأرض."
وقال:" تتمحور مطالب الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء حول الحصول على موافقة مجلس الوزراء لفتح حساب مصرفي باسمها، ورصد مساهمة تأسيسية لا تقل عن 100 مليار ليرة لتأمين التجهيزات والنفقات التشغيلية، إلى جانب السماح استثنائياً بتوظيف المراقبين والمفتشين والكوادر المتخصصة. كما تطالب بإنشاء مرصد وطني ومركز لتلقي الشكاوى والبلاغات، واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في الرقابة، وتأمين مختبرات معتمدة ومعدات لأخذ العينات وتحليلها، بما يتيح لها الانتقال من مرحلة التأسيس إلى ممارسة دورها الرقابي فعلياً".
 
من يحاسب من؟
كل هذه المعطيات تضع السلطات اللبنانية أمام سؤال بسيط ومباشر: كيف يمكن الحديث عن دولة تهتم بصحة مواطنيها فيما هيئة سلامة الغذاء، وهي الجهة المفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن كل رغيف خبز وقطعة لحم وعلبة حليب تصل إلى موائد اللبنانيين، تُدار اليوم بجهد شخصي من رئيسها، بلا مكتب ولا موظفين ولا حتى حساب مصرفي؟
 
ففي المطعم والسوبرماركت والفرن والملحمة، يشتري اللبناني غذاءه على افتراض أن جهة ما تتابع سلامته في كل مراحل الإنتاج والنقل والتخزين والعرض. لا يعني تعثر الهيئة أن كل ما يباع في لبنان ملوث، لكنه يعني أن الدولة لا تملك حتى اليوم مظلة وطنية فاعلة تجمع المعلومات، وتتتبع مصدر الخطر، وتطلق الإنذار السريع، وتدير عمليات السحب من السوق عند الضرورة. وفي ملف يمس ملايين الوجبات يومياً، لا يعود هذا التأخير تفصيلاً إدارياً. وقد أعلنت مديرية حماية المستهلك، مثلاً، تنفيذ 16,135 كشفاً ميدانياً وتسطير 723 محضر ضبط حتى 4 أيلول 2026. إلا أن هذه الأرقام تشمل مجمل أعمال حماية المستهلك، من السلع والأسعار إلى المولدات، ولا تحدد حصة سلامة الغذاء منها. المشكلة، إذاً، ليست غياب أي كشف، بل بقاء الرقابة موزعة بين جهات عدة، من دون مرجعية واحدة تجمع النتائج وتربط الخطر بمصدره وتتبعه حتى المستهلك. فالوزارات قد تكشف، والبلديات قد تقفل، والمختبرات قد تحلل، لكن الهيئة وحدها أُنشئت لتربط هذه الحلقات ضمن نظام وطني موحد.
 
وتقدم قضية نهر الليطاني مثالاً حديثاً على هذا الفراغ. ففي 2 أيلول 2026، أعلنت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أنها وثقت بالصور والمحاضر حالات ري مزروعات مباشرة بمياه ملوثة من النهر، فوجهت كتابين إلى وزارتي الزراعة والاقتصاد مطالبة بمنع وصول المنتجات المعنية إلى الأسواق، وبإنشاء آلية لتتبع مصدرها. تكشف الواقعة جوهر الخلل: جهة ترصد الخطر، ثم تراسل جهات أخرى كي تتحرك كل منها ضمن صلاحيتها، فيما الهيئة التي يفترض أن تدير التتبع وتبادل المعلومات والاستجابة السريعة لا تملك موظفاً واحداً.
 
وعليه، بين تجاذب الصلاحيات بين الوزارات، وبطء الإحالات بين مجلس الوزراء والإدارات المعنية، وضآلة المخصصات المرصودة أساساً، يبقى الثمن الحقيقي لهذا التقصير على طاولة كل بيت لبناني، في كل وجبة يتناولها المواطن من دون أن يعرف حقاً ما إذا كانت خضعت لأي مستوى من مستويات الفحص والمراقبة.
 
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Lebanon24
05:00 | 2026-09-21 Lebanon 24 Lebanon 24
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد حكيم - Jad Hakim