في ٢١ من أيلول، وقبل أن يتوجّه إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصّص الرئيس الأميركي
دونالد ترامب ساعة للقاء عمدة نيويورك زهران ممداني في مقر العمدة. لم يكن اللقاء بروتوكولياً فحسب، بل الثالث بين رجلين يكاد لا يجمع بينهما شيء سياسياً:
ترامب الآتي من اليمين المحافظ، وممداني الذي يمثل تياراً اشتراكياً ديمقراطياً يناقضه في الهجرة والضرائب والحريات ودور الدولة وقضايا خارجية عديدة.
ومع ذلك، اتفق الرجلان على رفع مستوى التنسيق بين البيت الأبيض وبلدية نيويورك لدراسة مشروع يُفترض أن يؤمّن نحو 12 ألف منزل و30 ألف فرصة عمل، ويحتاج إلى موافقات وربما تمويل فيدرالي. وفي الاجتماع نفسه، لم يتراجع ممداني عن اعتراضه على سياسات ترامب تجاه المهاجرين ووسائل الإعلام، كما لم يتخلَّ ترامب عن مواقفه، لكن الخلاف لم يمنعهما من البحث عمّا يمكن إنجازه لسكان المدينة.
لذلك، ليس دقيقاً القول إن ترامب وممداني متفقان على السياسة الداخلية؛ فهما مختلفان جذرياً على أدواتها واتجاهاتها. لكنهما متفقان على أمر أعمق: أن نجاح المدينة ليس ملكاً لحزب، وأن معاناة المواطن ليست ساحة مناسبة لتصفية الحسابات العقائدية. يستطيع كل منهما أن يتمنى هزيمة الآخر في الانتخابات، من دون أن يتمنى فشله في إدارة الشأن العام، لأن فشل المسؤول لا يبقى محصوراً به، بل تدفع ثمنه المدينة كلها.
في
لبنان، لا ينقصنا السياسيون الذين يتحدثون عن الوحدة والسيادة والمصلحة الوطنية، لكن كل فريق يكاد يمتلك تعريفه الخاص لهذه المفاهيم. السيادة عند طرف تعني حصراً كاملاً للسلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فيما يراها طرف آخر ناقصة ما دام الاحتلال قائماً والتهديد
الإسرائيلي مستمراً.
الحماية تعني للبعض جيشاً قوياً وضمانات دولية، وتعني للبعض الآخر احتفاظ "
حزب الله" بقدرته العسكرية. حتى إعادة الإعمار لا تُعامل باعتبارها حقاً بديهياً للناس، بل تتحول إلى ورقة تفاوض ترتبط بالسلاح والانسحاب والتمويل وشروط الخارج.
هذا ليس خلافاً عادياً على برنامج حكومي، بل هو خلاف على مصدر السلطة النهائية في البلاد. ففي الدول المستقرة، تتصارع القوى السياسية للسيطرة على الدولة، لكنها لا تتصارع على وجود الدولة نفسها أو على الجهة التي تملك قرارها. أما في لبنان، فلا يزال السؤال قائماً: هل القرار النهائي للمؤسسات الدستورية، أم للطوائف، أم للأحزاب، أم للتوازنات الإقليمية التي يستند إليها كل فريق؟
يكشف المشهد الحالي في الجنوب خطورة هذا الفراغ. فإسرائيل تشترط نزع سلاح "حزب الله" قبل انسحابها، بينما يرفض الحزب مناقشة سلاحه قبل اكتمال الانسحاب. وبين الشرطين، تعطّل المسار الذي يفترض أن ينشر الجيش ويعيد سلطة الدولة ويتيح عودة الأهالي والإعمار.
وفي الوقت نفسه، تستعد "اليونيفيل" لبدء الانسحاب مع نهاية 2026، فيما تقع أكثر من نصف مواقعها ضمن مناطق باتت تحت السيطرة
الإسرائيلية، ويُطلب من الجيش اللبناني أن يملأ الفراغ بإمكانات محدودة وفي ظل غياب تسوية سياسية داخلية مكتملة.
وهكذا، يتحول الخلاف حول ترتيب الخطوات إلى دائرة مغلقة: لا انسحاب قبل السلاح، ولا بحث في السلاح قبل الانسحاب، ولا إعمار قبل الاستقرار، ولا استقرار قبل الاتفاق السياسي.
وبينما يختلف اللبنانيون على تحديد الخطوة الأولى، ينتقل تحديد مستقبل الجنوب تدريجياً إلى الوسطاء والقوى الخارجية. وهذه هي الكلفة الأخطر للانقسام: عندما يعجز الداخل عن إنتاج تسوية وطنية، لا يبقى القرار معلّقاً في الفراغ، بل ينتقل إلى الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى إجماع يلغي التعددية، ولا إلى مطالبة أي فريق بالتخلي الفوري عن مخاوفه أو تاريخه السياسي. المطلوب هو بناء حدّ وطني أدنى: رفض الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية من دون تردد، والاتفاق في المقابل على أن الجيش هو النهاية الوحيدة لأي مسار دفاعي، وأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى موزعاً، وأن السلاح خارج الدولة لا يتحول إلى وضع دائم، وأن الإعمار وعودة الأهالي حقان وطنيان لا ورقتان في صراع المحاور.
المشكلة أن النظام اللبناني تحوّل من نظام يقوم على المشاركة إلى نظام يقوم على حق النقض المتبادل. كل طرف قادر على تعطيل ما يراه تهديداً له، لكن لا أحد قادر على بناء ما يحتاج إليه الجميع. والأسوأ أن نجاح الدولة يُنظر إليه أحياناً بوصفه تراجعاً لنفوذ الطائفة أو الحزب، فيما يُعدّ ضعفها ضمانة لاستمرار الأدوار الخاصة. لذلك، لا تتعطل المؤسسات بسبب قوة الخلاف فقط، بل لأن بعض القوى تستمد جزءاً من قوتها من بقاء المؤسسات عاجزة.
لم يصبح ممداني ترامبياً، ولم يتحول ترامب إلى اشتراكي. ما فعلاه هو الفصل بين الخصومة السياسية والمصلحة العامة. أما في لبنان، فتُربط الكهرباء بالإقليم، والإعمار بالسلاح، والأمن بالتوازن الطائفي، والتعيينات بالولاء، حتى يصبح كل ملف يومي امتداداً لصراع وجودي كبير.
الدرس الأميركي هنا ليس أن نتشبه بترامب أو ممداني، بل أن نفهم
القاعدة التي سمحت لهما بالجلوس معاً: الوطن ليس موضوع الخلاف، بل الإطار الذي يجري الخلاف داخله. لبنان لا يحتاج إلى خصوم متشابهين، بل إلى خصوم يتفقون على حدود خصومتهم. ولا يحتاج إلى رأي واحد، بل إلى دولة واحدة؛ لأن تعدد المشاريع يمكن أن يغني الحياة السياسية، أما تعدد الدول داخل الدولة فلا ينتج إلا وطناً معلّقاً ينتظر الآخرين ليقرروا مصيره.