في لحظة لبنانية دقيقة، تتقدم
المملكة العربية السعودية مجدداً إلى المشهد اللبناني من الباب الذي يعرفه اللبنانيون جيداً: باب الدولة، والسيادة، والمؤسسات، والعلاقات العربية الطبيعية.
وليس جديدًا أن يأتي هذا الموقف على لسان السفير السعودي الجديد في
لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، الذي اختار منذ بداية مهمته أن يضع العلاقة مع لبنان في إطار واضح يقوم على دعم الدولة
اللبنانية ومؤسساتها، وتعزيز أمن لبنان واستقراره، وفتح الطريق أمام استعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية إلى مسارها الطبيعي. فقد أكد الدوسري في مناسبة العيد الوطني السعودي أن
المملكة تقف إلى جانب لبنان من أجل استعادة سيادته على كامل أراضيه ومقدراته، في موقف يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة.
وما يجعل الموقف السعودي أكثر من مجرد كلام
دبلوماسي هو أن الرياض ترجمت خلال الأشهر الماضية جانباً منه بخطوات عملية. فعودة الصادرات اللبنانية إلى السوق
السعودية، بعد سنوات من التوقف، لم تكن مجرد مسألة تجارية، بل شكلت مؤشراً إلى عودة الثقة تدريجياً بالدولة اللبنانية وبقدرتها على ضبط المعابر ومكافحة التهريب وحماية علاقاتها مع
الدول العربية. وقد ربط السفير الدوسري بوضوح قرار رفع تعليق الصادرات بالجهود الإيجابية التي تبذلها القيادة والحكومة اللبنانية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الدور السعودي في لبنان، إذ أن المملكة لا تبدو وكأنها تبحث عن لبنان تابع أو لبنان ساحة نفوذ، بل عن لبنان قادر
على استعادة موقعه العربي الطبيعي، وأن تكون مؤسساته الرسمية هي المرجعية في الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية. وهذا هو جوهر المسألة اللبنانية اليوم.
فاستعادة السيادة لا تعني فقط حماية الحدود، ولا تقتصر على انتشار الجيش أو ضبط المعابر. السيادة تعني أيضاً أن يكون القرار الاقتصادي لبنانياً، وأن تكون العلاقات الخارجية من اختصاص الدولة، وأن يستعيد لبنان موقعه داخل محيطه العربي، وأن يصبح قادراً على استقطاب الاستثمارات والأسواق والسياح، بعدما دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً نتيجة سنوات من العزلة والأزمات والانقسامات.
ومن هنا يمكن قراءة الحضور السعودي المتجدد في
بيروت باعتباره دعماً لمسار إعادة بناء الدولة، لا مجرد عودة لعلاقة ثنائية تقليدية.
واللافت في هذا السياق أن السفير الدوسري، منذ وصوله إلى بيروت في حزيران الماضي، تحرك في اتجاهات متعددة، سياسية واقتصادية وأمنية، والتقى مسؤولين لبنانيين، فيما أكدت الرياض حرصها على مواصلة دعم الدولة اللبنانية وأمنها واستقرارها. كما ترافقت مهمته مع إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، وهي خطوة تحمل أهمية مباشرة للاقتصاد اللبناني وللقطاعين الزراعي والصناعي.
ولعل الرسالة الأهم أن المملكة، التي كان لها دور تاريخي في محطات أساسية من تاريخ لبنان، ولا سيما في رعاية اتفاق الطائف، لا تزال تنظر إلى لبنان باعتباره دولة عربية ذات سيادة، وليس ساحة مفتوحة أمام صراعات الآخرين.
وفي هذا السياق، تبرز شخصية السفير الدوسري بوصفها وجهاً جديداً لهذه المرحلة. فالمطلوب من الدبلوماسية السعودية في لبنان ليس فقط متابعة الملفات التقليدية، بل المساهمة في إعادة بناء جسور الثقة بين لبنان ومحيطه العربي، ومواكبة الخطوات اللبنانية التي تعيد الاعتبار إلى مؤسسات الدولة وإلى الاقتصاد والعلاقات الطبيعية.
ولبنان، في المقابل، أمام مسؤولية لا تقل أهمية، وهي أن يثبت أن الثقة التي بدأت تستعيدها الدول العربية به ليست مؤقتة، وأن الانفتاح السعودي يمكن أن يتحول إلى مسار أوسع من التعاون والاستثمار والدعم، شرط أن تقابله الدولة اللبنانية بخطوات ملموسة. فبين الرياض وبيروت اليوم فرصة لإعادة وصل ما انقطع.
والسعودية، من خلال مواقفها وخطواتها الأخيرة، تقول بوضوح إن لبنان القوي بالنسبة إليها هو لبنان السيد، المستقر، العربي،
القادر على إدارة شؤونه بنفسه واستعادة دوره الطبيعي.
أما السفير فهد الدوسري، فيبدو أن مهمته في بيروت بدأت من هذا العنوان تحديدا، وهو إعادة بناء الثقة، ودعم الدولة، وفتح الأبواب أمام لبنان كي يعود إلى المكان الذي يفترض أن يكون فيه.