بدأت الكواليس السياسية في
لبنان تشهد همساً متزايداً حول الأسباب التي تدفع بعض الأطراف التي دخلت خلال المرحلة الماضية في خصومة حادة مع"
حزب الله"، وخصوصاً داخل السلطة، إلى تخفيف لهجتها والانتقال تدريجياً نحو خطاب أكثر هدوءاً في التعامل معه ومع بيئته.
هذا التحول لا يزال في بداياته، لكنه بات ملحوظاً في أكثر من محطة. فمن مواقف رئيس الجمهورية
جوزاف عون، وصولاً إلى طريقة تعاطي بعض الوزراء مع "الحزب"، ثمة من يرى أن مقاربة جديدة بدأت تتشكل داخل
مؤسسات الدولة، تختلف في أسلوبها عن المناخ الذي ساد خلال الأشهر الماضية.
المفارقة أن هذا التبدل يأتي بعد أشهر فقط من موقف رسمي شديد اللهجة. ففي آذار الماضي، قرر
مجلس الوزراء حظر النشاطات الأمنية والعسكرية للحزب وإلزامه بتسليم سلاحه وحصر نشاطه في المجال السياسي، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام في حينه أن الدولة لا تسعى إلى مواجهة مع الحزب.
بحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن نصائح خارجية وصلت خلال الفترة الأخيرة إلى عدد من المعنيين في لبنان، ومفادها أن الذهاب بعيداً في معاداة" الحزب" أو محاولة عزل بيئته سياسياً وشعبياً قد لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، بل ربما يدفع هذه البيئة إلى مزيد من الالتفاف حوله.
وتقول المصادر إن المقاربة التي يجري تداولها تقوم على الفصل، قدر الإمكان، بين الخلاف السياسي مع "الحزب" وبين التعامل مع البيئة
الشيعية عموماً. وهذا التوجه يتقاطع مع مسار أميركي تحدثت عنه تقارير صحافية أخيراً، شمل فتح قنوات تواصل مع مؤسسات وشخصيات
شيعية ومحاولة مخاطبة سكان الجنوب بصورة مباشرة.
ووفق المصادر نفسها، فإن النظرة الخارجية تعتبر أن هناك فرصة سياسية لا ينبغي إضاعتها، انطلاقاً من اعتقاد بوجود نقمة داخل جزء من الشارع
الشيعي نتيجة تداعيات الحرب وحجم الخسائر والأعباء التي تحملتها هذه البيئة. لكن حجم هذه النقمة واتجاهاتها السياسية الفعلية يبقيان موضع تقديرات متباينة، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما حقيقة محسومة.
من هنا، تبدو الفكرة المطروحة مختلفة عن سياسة العزل المباشر: احتواء "البيئة" بدلاً من دفعها إلى الزاوية، وفتح أبواب الدولة أمامها، والتعامل مع مطالبها الاجتماعية والإنمائية، ومحاولة إعادة بناء الثقة بينها وبين المؤسسات الرسمية.
وعليه، فإن استيعاب"حزب الله"، وفق هذه المقاربة، لا يبدأ بالضرورة من مواجهة مباشرة معه، بل من محاولة بناء علاقة مختلفة مع "البيئة"التي يستند إليها. فكلما استطاعت الدولة أن تقدم لهذه البيئة حضوراً وخدمات وضمانات وشعوراً بالشراكة، اعتقد أصحاب هذه الرؤية أن قدرتها على توسيع مساحة تأثيرها داخلها ستصبح أكبر.
وهنا تحديداً يصبح السؤال السياسي الأهم: هل نحن أمام تبدل فعلي في استراتيجية السلطة تجاه "الحزب"، أم مجرد مرحلة هدوء تفرضها الظروف الداخلية والإقليمية بانتظار ما ستؤول إليه التطورات المقبلة؟