يمكن اختصار الموقف السياسي الحالي للسلطة في
لبنان بمجموعة من العوامل التي تتحكم إلى حد بعيد بطريقة تعاطيها مع الملفات الداخلية، وخصوصًا في ما يتعلق بعلاقتها مع
حزب الله وحدود المواجهة أو التسوية معه. فالمسألة لا ترتبط فقط بمواقف الأطراف المحلية، بقدر ما تتأثر بمسار التطورات الإقليمية والدولية وبحسابات الربح والخسارة في الداخل.
العامل الأول يرتبط بالموقف الأميركي، وتحديدًا بما إذا كانت
واشنطن تريد الذهاب نحو مواجهة سياسية أكثر حدة في لبنان أم تفضل إبقاء الوضع تحت سقف معين. ففي حال كان التوجه الأميركي يميل إلى التصعيد، سيكون من الطبيعي أن يصبح سلوك السلطة وبعض القوى الداعمة لها أكثر تشددًا، ليس فقط نتيجة الرغبة في الاستجابة للمطالب الأميركية، وإنما أيضًا بسبب شعور هذه القوى بأنها تمتلك غطاءً سياسيًا خارجيًا يسمح لها برفع سقف المواجهة.
أما إذا كان التوجه الأميركي يميل إلى التهدئة أو إلى إدارة الأزمة بدل تفجيرها، فإن هامش الحركة الداخلي سيتغير تلقائيًا، وستصبح السلطة أكثر حذرًا في خطواتها، خصوصًا أن الذهاب بعيدًا في أي مواجهة داخلية من دون وجود مظلة خارجية واضحة قد يرتب عليها أثمانًا سياسية لا تستطيع تحملها.
العامل الثاني هو الموقف العربي وطبيعة العلاقة مع
إيران خلال المرحلة المقبلة. فإذا اتجهت
الدول العربية الأساسية نحو مواجهة واسعة مع
طهران، سواء كانت سياسية أو أمنية أو حتى عسكرية، فمن المرجح أن ينعكس هذا المناخ على لبنان، وأن تصبح القوى القريبة من هذه الدول أكثر جرأة في إعادة رسم التوازنات الداخلية ورفع مستوى الضغط السياسي على حزب الله.
أما إذا كان الاتجاه العربي معاكسًا، أي نحو فض الاشتباك مع إيران والبحث عن تفاهمات أو تسويات إقليمية، فإن مستوى الضغط الداخلي سيتراجع بدوره، ولو بصورة تدريجية. فلبنان، بحكم تركيبته السياسية وتشابك علاقات أطرافه بالخارج، يصعب عزله عن المناخ الإقليمي المحيط به.
ويبقى العامل الثالث، وربما الأكثر ارتباطًا بالداخل، وهو حسابات الربح والخسارة لدى السلطة والأحزاب التي تشكل غطاءها السياسي. فإذا وصلت هذه القوى إلى قناعة بأن خسارتها السياسية أصبحت حتمية، وأن التسوية لن تحفظ لها مواقعها أو نفوذها، فقد تصبح المواجهة أكثر حدة، لأن من يشعر بأنه يخسر كل شيء لن يكون لديه الكثير مما يخشى خسارته.
في المقابل، إذا بقي الاعتقاد قائمًا بأن التسوية ممكنة، وأن المصالح السياسية والدستورية يمكن الحفاظ عليها ضمن اتفاق أوسع، فإن تقديم التنازلات سيصبح أسهل. عندها لن تكون الأولوية لتسجيل انتصار كامل على الخصم، بل لضمان موقع في المرحلة المقبلة.
لهذا، فإن شكل العلاقة بين السلطة وحزب الله خلال المرحلة المقبلة لن تحدده المواقف المعلنة وحدها، بل ثلاثة أسئلة أساسية: ماذا تريد واشنطن؟
إلى أين يتجه العرب في علاقتهم مع إيران؟ وماذا تستطيع القوى الداخلية أن تربح أو تخسر من المواجهة أو التسوية؟