أقفل
الرئيس نجيب ميقاتي، في مقابلته التلفزيونية امس، الباب أمام الكثير من القراءات التي ربطت مواقفه وتحركاته السياسية برغبة في العودة سريعاً إلى رئاسة الحكومة. فميقاتي كان واضحاً عندما أكد أنه لا يرى تغييراً حكومياً في المرحلة الحالية، واضعاً بذلك ثابتة سياسية يمكن الانطلاق منها لقراءة بقية المواقف التي أطلقها، بعيداً عن مسألة طموحه الشخصي أو مستقبله في السراي الحكومي.
الأهم في المقابلة لم يكن موقفاً واحداً بحد ذاته، بل الصورة السياسية المتكاملة التي حاول
ميقاتي رسمها للمرحلة المقبلة. فهو حسم، بداية، موقفه من مسألة التطبيع والسلام مع
إسرائيل، معتبراً أن هذا الأمر غير ممكن في الظروف الحالية، وأن
لبنان لا يستطيع الذهاب منفرداً في هذا الاتجاه. وربطه أي تحول من هذا النوع بموقف عربي أوسع، ما يعني عملياً إعادة وضع لبنان ضمن إطار التسوية الإقليمية الشاملة، لا ضمن مسار منفصل يمكن أن يبدأ وينتهي بمعزل عن بقية دول المنطقة.
وفي ملف سلاح
حزب الله، بدت مقاربة ميقاتي أكثر هدوءاً. فهو أشار إلى إمكانية تقديم" الحزب" تنازلات في هذا الملف، لكنه وضع المسألة في سياق يرتبط بالضمانات الخارجية وما يمكن أن يحصل عليه لبنان في المقابل. وهذه النقطة تحديداً تعكس اعتقاداً بأن معالجة الملف لا يمكن أن تتم حصراً من خلال الضغط الداخلي، بل تحتاج إلى مظلة سياسية وضمانات مرتبطة بالتطورات الإقليمية والدولية.
في الوقت نفسه، حملت المقابلة دعماً واضحاً لرئيس الجمهورية جوزف عون ولعهده. لم يبدُ ميقاتي راغباً في التصويب على
بعبدا أو إضعاف موقع الرئيس، بل على العكس، أوحت معظم مواقفه بأنه يريد تعزيز موقع
الرئيس عون السياسي ومنحه مساحة أوسع لإدارة المرحلة. وهذا الموقف له دلالته، خصوصاً في ظل الحديث المستمر عن إعادة رسم التحالفات والتوازنات الداخلية بالتوازي مع التحولات التي تشهدها المنطقة.
كذلك، وضع ميقاتي المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ضمن الضرورة والحاجة التي لا يمكن الهروب منها، بل اعلن انه يؤيدها منذ ما قبل "اتفاق الاطار".
لكن النقطة الأكثر لفتاً كانت مقاربته للعلاقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية. فميقاتي أوحى بأنه يؤيد استمرار الحوار والتقارب بين الطرفين، انطلاقاً من قناعة بأن لكل منهما مطالب وهواجس، وأن مساحة التفاهم بينهما أكبر مما يظهر في السجالات السياسية والإعلامية. ومن هنا، بدا كأنه يشجع الطرفين على الذهاب أبعد في الحوار بدلاً من العودة إلى المواجهة الداخلية.
بهذا المعنى، كشفت المقابلة أن علاقة ميقاتي بالرئيس عون لا تزال متينة، كما أن قنواته مع حزب الله لم تُغلق. وهو، حتى لو لم يكن مرشحاً للعودة إلى رئاسة الحكومة في المدى القريب كما حاول الايحاء، يبدو راغباً في الاحتفاظ بدور سياسي يسمح له بالمساهمة في تقريب المسافات ودفع الأطراف الأساسية نحو تسوية داخلية مرتبطة، في نهاية المطاف، بالتسوية الأكبر في المنطقة.