لم يعد ممكناً فصل الحركة السياسية في
لبنان عن المسار الذي بدأ يتشكل بين الرياض وطهران، ولا عن محاولات اختبار تسويات إقليمية قد تتجاوز حدود الساحة التي نشأت فيها، فاليمن الذي شكّل أحد أبرز ميادين الصراع السعودي ـ
الإيراني، يبدو اليوم مدخلاً محتملاً لمرحلة مختلفة، فيما بدأت مفاعيل هذا المسار تُقرأ في
بيروت قبل أن تنضج تسوية إقليمية مكتملة، علما أن طهران تبعث إشارات إلى رغبتها في ضبط التوتر مع الرياض، فإعلان الرئيس مسعود بزشكيان استعداد طهران للمساعدة في حل الخلاف بين
السعودية واليمن بالحوار والطرق السلمية يندرج في هذا المناخ، بما يعكس محاولة لخفض منسوب المواجهة وفتح مساحات لتفاهمات أوسع.
وفي بيروت، تُقرأ هذه الإشارات من زاوية مختلفة، فالمعطيات المتداولة تربط الحراك السعودي ـ الإيراني بإمكان انتقال جزء من مفاعيل أي تسوية في اليمن إلى ملفات المنطقة وفي مقدمها لبنان، حيث لا تزال التوازنات الداخلية شديدة التأثر بالمعادلات الإقليمية والدولية وترتيبات المنطقة.
ولذلك، تكتسب الزيارة المرتقبة للموفد السعودي إلى بيروت أهمية تتجاوز حدود التواصل الدبلوماسي، فالمسألة المطروحة في الكواليس ليست تسوية جاهزة تنتظر الإعلان، بل اختبار مبكر لشكل المرحلة المقبلة، وتبدو مسألة التوازن الطائفي والسياسي أكثر تعقيداً من أي استحقاق منفرد، إذ إن أي تسوية، بحسب المصادر نفسها، تحتاج إلى مراعاة ألا يشعر المكوّن الشيعي بأنها تُنتج هزيمة سياسية له. وفي هذا الاطار، يمكن للسعودية أن تؤدي دوراً سياسياً في دعم التسوية وتوفير الغطاء الإقليمي لها من خلال التواصل مع الأطراف
اللبنانية والعربية المعنية والمساهمة في تثبيت التفاهمات التي تتيح الاستقرار شرط توافر مظلة إقليمية أوسع تسمح بذلك، ويترافق ذلك مع إعادة ترتيب بعض التوازنات اللبنانية وإبعاد عناصر الاشتباك التي قد تعرقل الوصول إلى التسوية.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف
حزب الله أهمية خاصة، فإعلانه الاستعداد للتعاون في
القضايا الداخلية ضمن الأطر الدستورية والقانونية يترك باب التفاهم مفتوحاً، ويشير إلى أن الحزب لا يضع نفسه خارج أي مسار داخلي لإدارة المرحلة، شرط ألا تتحول التسوية إلى آلية لفرض نتائج مسبقة عليه. ولذلك، فإن الحركة الحالية قد لا تكون بحثاً عن تسوية لبنانية بمعزل عن المنطقة، بقدر ما هي استعداد مبكر لتسوية قد تأتي من خارج الحدود وتفرض إيقاعها على الداخل. وإذا نجح المسار السعودي ـ الإيراني في إنتاج تفاهم مستقر، فإن السؤال لن يكون عندها عن إمكان انعكاسه على لبنان، بل عن شكل لبنان الذي سيخرج منه.