أعلن وزير الطاقة والمياه جو الصدي اعتكافه عن حضور جلسات
مجلس الوزراء، مع تأكيد استمراره في ممارسة مسؤولياته داخل الوزارة، احتجاجًا على ما وصفه بغياب التجاوب الحكومي مع مقترحاته لمعالجة أزمة الكهرباء. وبذلك اختار موقعًا بين المشاركة الكاملة والاستقالة: يحتفظ بمسؤولية إدارة القطاع، ويقاطع الجلسات التي يحتاج إلى قراراتها لتأمين بعض متطلبات هذه الإدارة، واضعًا الخلاف أمام الرأي العام بعد تعثّر معالجته داخل الحكومة.
قبل أشهر، كان الصدي قد دافع عن مقاربة مختلفة للاعتراض الحكومي. ففي شباط الماضي، أوضح مكتبه أنه اعترض مع وزراء "
القوات اللبنانية" على رفع سعر صفيحة البنزين، ثم التزم بالقرار الذي أقرّته الأكثرية، انطلاقًا من التضامن الوزاري، الذي غلّب مبدأه حينها على التفاصيل. وأكد يومها أنه سيواصل التعبير عن موقفه داخل مجلس الوزراء من دون الإخلال بالتزامه بقرارات الحكومة. ولذلك، فإنّ هذه المسافة بين الموقفين تستحق التوقف عندها، فما الذي جعل الاعتراض من داخل الجلسة غير كافٍ، ودفع الوزير إلى استخدام الغياب عنها وسيلة ضغط؟
يتجاوز السؤال تقدير حجم الخلاف بين "القوات" ورئيس الحكومة نواف سلام، أو احتساب الربح والخسارة لكل منهما. فالصدي يضع شركاءه أمام مطالب يقول إن تنفيذها شرط لاستمرار الخدمة، فيما يضع نفسه أمام اختبار القدرة على تحصيلها بهذه الوسيلة. ومن هنا، تصبح طريقة إنهاء الاعتكاف جزءًا أساسيًا من تقييمه: هل يعود الوزير باتفاق يحسم الخيارات المتنازع عليها، أم بتسوية سياسية تسمح باستئناف المشاركة وتترك الملفات نفسها معلّقة؟
ما الذي استنفده الاعتراض من الداخل؟
لا يتطابق الخلافان تمامًا. ففي قضية البنزين، كان هناك قرار أقرّته الأكثرية واعترض عليه الوزير ثم نفّذه. أما في قضية الكهرباء، فيقول الصدي إن المشكلة هي عدم اتخاذ القرارات التي يطلبها. هذا الفارق يفسّر جانبًا من انتقاله إلى التصعيد، لكنه لا يعفيه من توضيح ما استنفده داخل المجلس قبل المقاطعة. فالتضامن الوزاري الذي تمسّك به سابقًا يطرح اليوم سؤالًا سياسيًا عليه وعلى شركائه: كيف يستمر تحمّل المسؤولية المشتركة عندما يعلن الوزير المعني أن أدوات المعالجة المطلوبة لا تُتاح له؟
وتساعد طبيعة المطالب على تحديد موضع الخلاف بعيدًا عن الاتهامات العامة. فالتعرفة المتحركة التي تطرحها وزارة الطاقة تحتاج إلى حسم حكومي لخيار يمسّ فواتير المشتركين، ويقول الوزير إنه يسمح بزيادة التغذية وخفض الكلفة الإجمالية للكهرباء. أما تسديد فواتير الإدارات والمؤسسات العامة وتغطية كلفة الإعفاءات المرتبطة بالحرب، فهما التزامان ماليان؛ وقد قال الصدي إن التجاوب مع الأول كان جزئيًا ولمرة واحدة، وإن الثاني لم يلقَ تجاوبًا. وهنا يصبح النقاش مع وزارة المال والحكومة حول الاعتمادات والسيولة ومواعيد الدفع، وما ينبغي تأمينه في موازنة 2027، لا حول إجراء تستطيع وزارة الطاقة تنفيذه منفردة.
لكن تحديد هذه المسؤوليات لا يجعل مقترحات الوزير محسومة الصواب، ولا يحوّل الاعتراض عليها تلقائيًا إلى عرقلة. فالتعرفة تحتاج إلى بيان أثرها على الأسر، ومدى اقترانها بتحسن فعلي في التغذية، فيما يحتاج تسديد المستحقات إلى آلية واضحة قابلة للتنفيذ. لذلك، فإن الجواب الحكومي المفيد يبدأ بتحديد ما تقبله الحكومة وما تعترض عليه وأسباب ذلك، والبدائل التي تقترحها. وبالمقابل، يبقى الوزير مطالبًا بما يقع ضمن نطاق مسؤوليته من متابعة الجباية وخفض الهدر وتحسين الإدارة، حتى لا يصبح توزيع الصلاحيات مدخلًا لتوزيع الأعذار.
مقاطعة بلا تعطيل.. وعودة بأي شروط؟
تستعيد الخطوة بعض ملامح المقاطعات الوزارية السابقة، مع فارق في الحجم والهدف. ففي أواخر عام 2021، ارتبط امتناع وزراء "أمل" و"
حزب الله" عن حضور جلسات حكومة
نجيب ميقاتي بالخلاف حول المحقق العدلي في انفجار المرفأ طارق البيطار، وتوقفت الجلسات نحو ثلاثة أشهر. أما الصدي فيقاطع منفردًا لانتزاع قرارات متصلة بوزارته، ولا يحول غيابه وحده دون اكتمال النصاب، وقد أعلن مواصلة عمله الوزاري. لذلك، تأتي قوة الضغط هنا من إحراج الشركاء علنًا وتحميلهم مسؤولية التعثّر، أكثر مما تأتي من القدرة على منع انعقاد الحكومة.
وهذا ما يجعل حصيلة التجربة مهمة لبقية الوزراء أيضًا. فإذا تبيّن أن المقاطعة المحدودة تسرّع إقرار مطالب تعذّر حسمها بالمشاركة، فقد تغري آخرين بتكرارها، لأنها تتيح رفع كلفة الخلاف من دون تحمّل تبعات استقالة أو تعطيل شامل. أما إذا طال الاعتكاف من دون نتيجة، فسيواجه الصدي صعوبة إضافية: كيف ينتزع قرارات من مجلس يغيب عن مناقشاته، وكيف يضمن ألّا ينعكس غيابه على متابعة ملفات تحتاج إلى تنسيق مباشر مع زملائه؟ استمرار العمل في الوزارة لا يلغي حاجتها إلى مجلس الوزراء.
لهذا، تحتاج العودة إلى مضمون أوضح من إعلان تفاهم عام. فإذا كان الحل تسديد مستحقات، ينبغي تحديد قيمتها وجدول دفعها؛ وإذا كان تعديل التعرفة، فيجب توضيح شروطه وأثره المتوقع على التغذية والفاتورة؛ وإذا رُفضت بعض المقترحات، يفترض إعلان البديل الذي سيؤمّن استمرارية الخدمة. وقد أطلع الصدي رئيس الجمهورية جوزاف عون على أسباب اعتكافه، مؤكّدًا استمراره في مسؤولياته الوزارية، ما يجعل معالجة الخلاف مطروحة على مستوى الرئاسة أيضًا. لكن أي مسعى للتهدئة سيبقى ناقصًا إذا أعاد الوزير إلى مقعده من دون حسم ما دفعه إلى مغادرته.
في النهاية، يمكن تسوية الخلاف السياسي أسرع من معالجة أزمة الكهرباء، لكن ذلك لا يمنع الاتفاق على التزامات قابلة للقياس. بعد عودة الصدي، سيكون السؤال المحدد: هل تحسّنت مالية مؤسسة الكهرباء أو زادت ساعات التغذية خلال مهلة معلومة، وبأي كلفة على المشترك؟ وإذا بقيت الإجابة مؤجّلة، فلن تكفي صورة اجتماع جديد لإقناع اللبنانيين بأن الاعتكاف غيّر شيئًا في الملف الذي أُعلن من أجله.