في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ومع تصاعد التهديدات الأمنية والعسكرية التي تواجهها
السعودية، تتجه الأنظار إلى القاهرة، حيث تبرز مؤشرات على تقارب
مصري سعودي قد يتجاوز حدود التنسيق السياسي التقليدي، وصولاً إلى تعاون عسكري أوسع يعيد رسم خريطة التحالفات في
الشرق الأوسط.
التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بشأن استعداد بلاده لتقديم دعم واسع للسعودية، بما في ذلك على المستوى العسكري، تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي قد تؤديه القاهرة في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الحديث عن دراسة مصر الانضمام إلى ما يُعرف بـ"اتفاق مكة".
فعلياً، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل الهجمات الحوثية الأخيرة التي استهدفت منشآت حيوية داخل
المملكة، بما فيها مطار الملك خالد الدولي في
الرياض، ما يضع أمن السعودية في صلب الحسابات الإقليمية، ويدفع نحو البحث عن تحالفات قادرة على توفير مظلة دفاعية أكثر اتساعاً.
لا تبدو أهمية الموقف المصري محصورة في الاستعداد لتقديم الدعم للسعودية، بل تتصل أيضاً بالتوقيت السياسي والعسكري الذي يأتي فيه، بعد مراحل شهدت تباينات في مواقف البلدين حيال عدد من الملفات الإقليمية.
فمصر والسعودية تمثلان اثنتين من أبرز القوى العربية، وأي انتقال في علاقتهما من التنسيق السياسي إلى شراكة دفاعية أعمق قد ينعكس على موازين القوى في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحرك المصري بوصفه محاولة لتعزيز التنسيق مع الرياض في مواجهة التحديات المشتركة، وإعادة الاعتبار لفكرة العمل العربي الجماعي في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الأمنية.
أيضاً، يكتسب احتمال انضمام مصر إلى إطار دفاعي يضم السعودية وباكستان، مع الحديث عن دور
تركي محتمل، أهمية تتجاوز عدد الدول المشاركة.
كما هو معلوم، فإن القاهرة تمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية ممتدة، فيما تتمتع باكستان بقدرات عسكرية ونووية، وتملك
تركيا صناعات دفاعية متقدمة، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية الحديثة. وعليه، إذا تطور التعاون بين هذه الدول إلى شراكة دفاعية مؤسسية، فقد ينشأ تكتل يتمتع بثقل عسكري وجغرافي وسياسي كبير، ويعزز قدرة الدول المشاركة على مواجهة التهديدات.
لكن هذه الصورة تبقى مرتبطة بطبيعة الالتزامات التي قد تتفق عليها الأطراف، إذ إن التقارب السياسي لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري موحد أو التزاماً تلقائياً بالتدخل دفاعاً عن أي دولة مشاركة.
ومن أبرز الدلالات المحتملة لهذا التقارب أنه قد يفتح المجال أمام صيغة جديدة من التعاون الأمني، تقوم على توسيع شبكة الشراكات بدل اعتماد كل دولة على قدراتها الذاتية أو تحالفاتها الثنائية.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن تعزيز العلاقات الدفاعية مع مصر، إلى جانب شراكاتها الإقليمية الأخرى، قد يمنحها هامشاً أوسع للتحرك في مواجهة التهديدات، ويرفع كلفة أي اعتداء يستهدف أمنها أو منشآتها الحيوية.
في المقابل، قد تجد القاهرة في هذه الشراكة فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي وترسيخ موقعها بوصفها طرفاً أساسياً في ترتيبات الأمن العربي.
وأمام كل ذلك، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بمستقبل هذا المسار: هل تتجه المنطقة فعلاً نحو ولادة تحالف دفاعي واسع، أم أن الأمر سيبقى ضمن حدود التفاهمات السياسية والتعاون العسكري
الثنائي؟
في خلاصة القول، فإن نجاح أي تحالف لا يُقاس بعدد الدول المنضوية فيه، ولا بحجم جيوشها وحده، بل بمدى قدرتها على بناء منظومة مشتركة للتنسيق واتخاذ القرارات وتبادل المعلومات وتحديد طبيعة الاستجابة للتهديدات.
ومن هنا، قد يشكل الانفتاح المصري على السعودية بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وربما خطوة نحو توسيع التعاون الدفاعي الإقليمي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في معرفة عدد الدول التي ستنضم إلى هذا التحالف، بل في الإجابة عن سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع القوى الكبرى في المنطقة تحويل تقاربها السياسي إلى قوة عسكرية مشتركة قادرة على تغيير قواعد اللعبة، أم أن الخلافات والحسابات المتباينة ستبقي هذا المشروع مجرد طموح إقليمي؟