تتحدث الحكومة بلغة طموحة عن موقع لبنان في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، إذ تقوم الاستراتيجية الوطنية التي تعمل عليها وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تحت عنوان "الجمهورية المتكاملة بالذكاء الاصطناعي" على ممكّنات تشمل صندوقاً وطنياً للتمويل وحزمة لتفعيل صادرات الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية تضم مناطق مخصصة ومجمعات بيانات وطنية، فيما يحدد الوزير هدفاً برفع نسبة استخدام هذه التقنيات من 27 في المئة إلى نصف اللبنانيين خلال سنتين أو ثلاث سنوات. غير أن المسافة بين هذه الأهداف والواقع تقاس بثلاثة عناصر تقوم عليها هذه الصناعة، وهي الطاقة والاتصال ومراكز البيانات، وكلها تشكّل الحلقة الأضعف في البنية اللبنانية.
فالطاقة، وهي العنصر الأكثر كلفة في تشغيل النماذج والخوادم، لا تزال رهينة تغذية رسمية لا تتجاوز ساعات محدودة يومياً في مناطق كثيرة، ما يدفع أي شركة إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي حددت الوزارة تسعيرتها لشهر أيلول بنحو 52,840 ليرة للكيلوواط ساعة، أي قرابة 59 سنتاً، وهو سعر يفوق أضعافاً كلفة الإنتاج لدى
مؤسسة كهرباء لبنان. وبحساب تقريبي، فإن خادماً واحداً يستهلك كيلوواط واحداً ويعمل على مدار الساعة يحتاج إلى نحو 720 كيلوواط ساعة شهرياً، ما يعني فاتورة تتجاوز 400 دولار من المولد وحده، قبل احتساب التبريد والبطاريات وأنظمة الحماية من الانقطاع، في حين تحسب الشركات المنافسة في دول الجوار هذه الكلفة بسنتات قليلة.
ولا يبدو الاتصال أفضل حالاً، إذ لم يتجاوز الوسيط لسرعة الإنترنت الثابت في لبنان 16 ميغابت في الثانية مع نهاية العام الماضي، بعدما تراجع بنحو 7 في المئة خلال عام، ليحتل لبنان مرتبة متأخرة عالمياً في هذا المؤشر، فيما يتقدم الإنترنت الخلوي عليه بفارق واضح، ما يعني أن الشبكة التي يُفترض أن تنقل البيانات الضخمة بين الشركات والخوادم هي الأبطأ والأقل استقراراً.
أما مراكز البيانات، فتبقى محدودة الحجم والانتشار، وتعتمد بدورها على المولدات كمصدر احتياطي للطاقة، ما يرجّح أن تلجأ الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي إلى استضافة بياناتها وتشغيل نماذجها على خوادم سحابية في الخارج، فتتحول البنية المحلية إلى مجرد نقطة اتصال، وتذهب القيمة المضافة والإنفاق التشغيلي إلى أسواق أخرى، فيما تبقى في لبنان الكفاءات البشرية وحدها، وهي الورقة التي يراهن عليها المسؤولون بدعوتهم إلى استثمار الطاقات المحلية بدل تركها تهاجر.
ويكشف هذا الواقع أن المنافسة الممكنة للشركات اللبنانية تنحصر حالياً في تطوير التطبيقات والحلول المبنية على نماذج جاهزة وتصديرها كخدمات، لا في بناء بنية حوسبة محلية، ما يجعل أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي مرهونة بمعالجة ملفي الكهرباء والاتصالات قبل الحديث عن مجمعات بيانات ومناطق متخصصة، لأن الصناعة التي تقوم على الطاقة لا يمكن أن تزدهر في بلد يشتري كهرباءه بالساعة من مولد على السطح.