تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

من الوعود إلى التنفيذ... الحكومة أمام امتحان صعب

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
19-10-2026 | 02:00
A-
A+
من الوعود إلى التنفيذ... الحكومة أمام امتحان صعب
من الوعود إلى التنفيذ... الحكومة أمام امتحان صعب photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
ربما تكون المرحلة الأصعب التي دخلها لبنان هي تلك التي تبدأ عندما تنتهي مرحلة الكلام. فخلال الأشهر الماضية تراكمت التعهدات والبيانات والمواقف الدولية والمحلية حول استعادة السيادة، وحصرية السلاح، وانتشار الجيش، والانسحاب الإسرائيلي، والإصلاحات المالية وإعادة بناء المؤسسات، وآخرًا وليس أخيرًا سردية متفجرات ضهر البيدر، وما كُشف منها وما لم يُكشف. وقد يكون ما لم يُكشف أخطر وأدهى مما كُشف. لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه الآن أكثر من غيره مختلف تماماً عمّا سبقه، وهوعن قدرة الحكومة، بكل ما فيها من تناقضات، على  تنفيذ من كل هذه الملفات، فعلًا لا قولًا.
Advertisement
هذا السؤال بات أكثر إلحاحاً، خصوصًا بعد الكلام الذي سمعه رئيس الحكومة نواف سلام في  واشنطن خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إذ لم يعد المطلوب من بيروت أن تقول إنها تريد استعادة سيادتها، بل أن تثبت أن لديها القدرة المؤسساتية والسياسية والأمنية على ترجمة هذا الهدف. فالجيش يفترض أن يتولى تدريجياً مسؤوليات أمنية في الجنوب، فيما ترتبط إعادة الانتشار الإسرائيلي بعملية تحقق من خلو المناطق المعنية من السلاح والبنى العسكرية التابعة للجماعات المسلحة. ولا تزال آلية التحقق والجهة التي ستضطلع بهذا الدور موضع بحث. لكن اختبار الدولة لا يبدأ وينتهي عند الجنوب. وقد يكون وجود الجيش اليوم بفاعلية في مختلف المربعات الجغرافية الواقعة ضمن بيروت الإدارية، وامتدادًا إلى أطراف أقضية الجبل، أكثر من ضرورة وطنية.
وفي واشنطن أيضاً كان الملف الاقتصادي حاضراً بقوة. وصندوق النقد الدولي أوضح في الأول من تشرين الأول أن الطريق نحو اتفاق على برنامج جديد للبنان يتطلب استمرار التقدم في مجموعة من الإصلاحات، بينها دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وإقرار قانون مالي يعالج الفجوة المالية وفق المعايير الدولية، وموازنة عام 2027، وإطار مالي متوسط الأجل، إضافة إلى إصلاحات في الإدارة المالية والحوكمة. وبمعنى آخر، هناك مساران يجتمعان عند نقطة واحدة وهي قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
في الجنوب، المطلوب أن تصبح الدولة صاحبة القرار الأمني والعسكري على كامل أراضيها. وفي الاقتصاد، المطلوب أن تصبح المؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات مالية وتشريعية تنهي تدريجياً حالة الاستثناء التي حكمت إدارة الأزمة منذ عام 2019.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مراحل سابقة. فالضغوطات الخارجية لم تعد تقتصر على طلب مواقف سياسية، بل أصبحت مرتبطة بمواعيد وآليات وقوانين ونتائج قابلة للقياس، حتى أن صندوق النقد، الذي رحّب بالتقدم الذي تحقق في تعديل قانون معالجة أوضاع المصارف، وضع شروطاً واضحة لاستكمال المسار. كما أشار إلى أن إحالة القانون إلى المجلس الدستوري ستُتابع، وأن أي تعديلات قد تطرأ عليه ستخضع للتقييم لجهة انسجامها مع المعايير الدولية.
وفي المقابل، لا تزال الملفات السياسية والأمنية أكثر تعقيداً. فالحكومة اللبنانية أعلنت في آذار أن قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة، وحظرت النشاطات الأمنية والعسكرية لـ "حزب الله" خارج المؤسسات الشرعية، مطالبة بحصر عمله في المجال السياسي وتسليم السلاح إلى الدولة.
لكن، على ما يبدو، فإن تطبيق هذا القرار لا يتم بقرار حكومي فقط. فلبنان يقول إن حصرية السلاح مطلب سيادي لبناني، لكنه يربط تنفيذ الإطار أيضاً بالانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، فإن الإطار نفسه يجعل الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بالتقدم في استعادة الدولة سلطتها الفعلية والتحقق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية.
وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة دقيقة، إذ عليهم أن يثبتوا قدرتهم على بناء الدولة في الوقت الذي لا تزال فيه أجزاء من السيادة مرتبطة بتطورات عسكرية وسياسية تتجاوز قدرته المنفردة على التحكم بها، لكن ذلك لا يلغي المسؤولية الداخلية.
فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي يحتاج إلى تفاوض وضمانات، فإن إصلاح المصارف يحتاج إلى قوانين. وإذا كان ضبط الجنوب يحتاج إلى انتشار الجيش وآلية تحقق، فإن استعادة الثقة بالاقتصاد تحتاج إلى موازنة وإصلاحات مالية. وإذا كان إنهاء ازدواجية القرار العسكري يحتاج إلى مسار سياسي وأمني، فإن إعادة بناء المؤسسات تحتاج إلى قرارات لا تحتمل التأجيل.
لهذا ربما يكون الاختبار الحقيقي للبنان في المرحلة المقبلة هو اختبار الترجمة. فهل تستطيع السلطة السياسية أن تحول الالتزامات التي أعلنتها إلى قرارات، وهل تستطيع المؤسسات تنفيذ هذه القرارات، وهل يمكن أن تتقدم الملفات الأمنية والاقتصادية في وقت واحد، من دون أن يعطل أحدها الآخر؟
ولعل أخطر ما يواجه لبنان ليس غياب الرؤية، بل الفجوة بين ما تقوله الدولة وما تستطيع فعله. فالمرحلة السابقة كانت تسمح بتأجيل الملفات تحت عناوين الحرب والظروف الاستثنائية والتوازنات السياسية. أما المرحلة الجديدة فتضع الدولة أمام اختبارات أكثر تحديداً، وهي: سلاح، جيش، حدود، انسحاب، مصارف، موازنة، حوكمة وإعادة إعمار. وعندما تصبح هذه الملفات مترابطة، لا يعود بالإمكان التعامل مع كل واحد منها كأنه قضية منفصلة.
فلبنان، إذًا، أمام فرصة لإعادة تعريف علاقته بالدولة ومؤسساتها، لكن هذه الفرصة لن تُقاس بعدد الاتفاقات التي يشارك فيها أو البيانات التي يصدرها، بل بقدرته على تحويل الالتزام إلى ممارسة. من هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
 
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas