في قرار يحمل أبعادًا دستورية وقانونية بارزة، أبطل المجلس الدستوري بالإجماع المادة الثالثة من القانون رقم 71 المتعلق بتعديل بعض مواد قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، إلى جانب عبارتين واردتين في المادتين 19 و27 من القانون نفسه. ويؤكد القرار أن مشروعية التشريع لا ترتبط بمضمون أحكامه فحسب، بل أيضًا باحترام الأصول الدستورية التي تحكم إقراره، وصون الحقوق والحريات التي يكفلها
الدستور.
وجاء القرار إثر مراجعة تقدّم بها رئيس الجمهورية
العماد جوزاف عون في 22 أيلول 2026، طعن فيها بالمادة الثالثة من القانون الصادر في 10 أيلول من العام نفسه، وبعد الاطلاع على محاضر مناقشات مجلس النواب والتسجيل الصوتي للجلسة التي أُقرّ فيها القانون، خلص المجلس إلى أن المادة المطعون فيها لم تحصل على الأكثرية المطلوبة خلال التصويت.
وبحسب القرار، سقط اقتراح تعديل المادة وفق الصيغة التي أعدّتها لجنة المال والموازنة، من دون تلاوة نص بديل أو طرح صيغة أخرى للتصويت، رغم مطالبة عدد من النواب بذلك، واعتبر المجلس أن المادة الثالثة لم تُقرّ وفق الأصول الدستورية، ما يستوجب إبطالها، موضحًا أن هذا الإبطال لا يمتد إلى المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف الأصلي رقم 23 الصادر عام 2025.
ويرى أستاذ الاقتصاد والباحث المالي بلال علامة، أن أهمية القرار تتجاوز إبطال نصوص محددة، لتطال سلامة المسار التشريعي نفسه. فعدم حصول المادة على الأكثرية المطلوبة، من دون طرح صيغة بديلة للتصويت، يسلّط الضوء على آليات التصويت النيابي، ويثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالأصول الدستورية في إقرار القوانين.
ويشير الخبير الدستوري والقانوني عادل يمين
من جهته إلى أنّه، بما أنّ الإبطال استند إلى هذا السبب، لم يرَ المجلس الدستوري حاجة إلى البحث في سبب الطعن القائم على مخالفة مبدأ وضوح التشريع، كما اقتصر الإبطال على المادة الثالثة من القانون المعدِّل، ولم يمتدّ إلى المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف الأصلي رقم 23/2025، التي تبقى نافذة بصيغتها الأصلية.
ولم يقتصر القرار على الجانب الإجرائي، بل تناول أيضًا أحكامًا تمسّ الحقوق والحريات الأساسية. فقد أبطل المجلس من المادة 19 عبارة «إضافةً إلى قرار منعهم من السفر»، معتبرًا أن تقييد حرية التنقل ومغادرة البلاد لا يجوز أن يتم بموجب قرار إداري، بل يستوجب تدخل مرجع قضائي مستقل، وفق أصول تضمن حق الدفاع ومبدأ المواجهة.
ورأى المجلس أن منح الهيئة المصرفية
العليا والمصفّي ولجنة التصفية صلاحية منع السفر استنادًا إلى مجرد وجود أسباب جدية للاشتباه، ومن دون تدخل قضائي مسبق، يمسّ الحرية الشخصية ويتعدّى على صلاحيات السلطة القضائية، فضلًا عن تعارضه مع مبدأ الفصل بين السلطات.
ويشير يمين، في هذا السياق، إلى أنّ المجلس الدستوري يرى أنّ الحرية الشخصية وحرية التنقّل، بما في ذلك حقّ مغادرة البلاد، تُعدّان من الحقوق الأساسية التي لا يجوز تقييدها إلّا بقرار صادر عن مرجع قضائي مستقل، ووفق أصول تكفل ضمانات الدفاع ومبدأ المواجهة.
وعليه، يرى يمين أنّ منح جهة إدارية صلاحية منع السفر يشكّل مخالفة دستورية من ثلاث نواحٍ مترابطة، تتمثّل في المساس بالحرية الشخصية وحرية التنقّل، والتدخّل في اختصاص السلطة القضائية، والإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات.
كذلك، أبطل المجلس عبارة واردة في المادة 27 تنص على أن موظفي المصرف الملتزمين بقرارات الهيئة المصرفية العليا محميّون من أي إجراء قضائي أو دعوى ترفع ضدهم، واعتبر أن هذه الصياغة تثير التباسًا بشأن نطاق الحماية الممنوحة للموظفين، وقد تُفهم على أنها تحرم المتضررين من حقهم في اللجوء إلى
القضاء، وهو حق أساسي تكفله المادة 20 من الدستور.
وفي هذا السياق، يقول يمين إنّ المجلس الدستوري استند في إبطال العبارة الواردة في المادة 27 إلى سببين أساسيين.
أولًا، الالتباس في الصياغة: إذ إنّ العبارة، بصيغتها المطلقة، توحي بحرمان المتضرّرين من حقّ اللجوء إلى القضاء، في حين أنّ حقّ التقاضي يشكّل إحدى الضمانات الأساسية التي يكفلها الدستور، ولا سيّما في إطار المادة 20 منه.
ثانيًا، انتفاء الضرورة: إذ إنّ الفقرة نفسها توفّر للموظفين الحماية من المسؤولية متى ثبت التزامهم بتنفيذ قرارات الهيئة المصرفية العليا، وبالتالي، لا مبرّر لإضافة حصانة مطلقة تتجاوز الإعفاء من المسؤولية وتمتدّ إلى منع أي إجراء قضائي أو دعوى بحقّهم.
وبحسب يمين، فإنّ المجلس الدستوري ميّز بذلك بين الإعفاء من المسؤولية عند توافر شروطه، وهو أمر قد يجد مبرّره قانونًا، وبين إغلاق باب القضاء بصورة مطلقة أمام المتضرّر، وهو ما يشكّل مساسًا بحقّ التقاضي ولا يستند إلى مبرّر دستوري.
وليس بعيدا يشدد الاستاذ علامة أن القرار يعيد التأكيد على أن الإصلاح المصرفي لا يمكن أن ينفصل عن احترام الدستور وسلامة الإجراءات التشريعية، ولا أن يتحول إلى مدخل لتقييد الحريات أو إعفاء أي جهة من المساءلة القانونية، فاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي تتطلب إطارًا قانونيًا واضحًا، وقضاءً مستقلًا، وتوازنًا بين المحاسبة وضمان الحقوق.
وتكتسب هذه الخلاصات، بحسب مصادر قانونية، أهمية خاصة في ظل الأزمة المصرفية التي يواجهها
لبنان، إذ يرسّخ القرار مبادئ دستورية أساسية، في مقدّمها احترام الأصول التشريعية، وصون الحريات الفردية، والحفاظ على الفصل بين السلطات، وضمان حق التقاضي.
وفي المحصلة، لا يقتصر التحدي على إقرار تشريعات تهدف إلى إصلاح القطاع المصرفي، بل يشمل ضمان سلامتها الدستورية وعدالة تطبيقها، بما يحمي حقوق المودعين وسائر المتضررين، ويؤسس لمسار إصلاحي يستعيد الثقة بالقانون والمؤسسات.
لقراءة خبر: المجلس الدستوري يبطل المادة الثالثة من قانون تعديل قانون إصلاح المصارف،
اضغط هنا