لم يكن الهدوء النسبي الذي شهده جنوب
لبنان بالتزامن مع الانتخابات
الإسرائيلية سوى استراحة قصيرة في مشهد لم تتبدل قواعده. فمع انتهاء الاقتراع، عادت المدفعية والتفجيرات والتحركات العسكرية الإسرائيلية إلى الواجهة، من وادي الحجير والقنطرة والخيام وصولاً إلى ميفدون وزوطر. لكن السؤال لم يعد يتعلق بموعد التصعيد، بل بما إذا كانت
إسرائيل تستعد لتحويل الواقع الميداني إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، أم أن الجنوب يتجه نحو مواجهة تتجاوز حدود الاستنزاف.
تتزامن هذه التطورات مع ثلاثة مسارات متداخلة: تعقيدات تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، وتعثر المفاوضات
اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران. وبين هذه العوامل، يواجه لبنان احتمال تغيير الواقع الحدودي من دون حرب شاملة، عبر عمليات عسكرية متدرجة تعطل عودة السكان وإعادة الإعمار.
من إدارة الحدود إلى إعادة تشكيلها
تكمن خطورة المرحلة في انتقال الخلاف من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى طبيعة السيطرة على المنطقة الحدودية. فإسرائيل تربط انسحابها بنزع سلاح "
حزب الله" وإزالة التهديدات الأمنية، فيما تتمسك
بيروت بالانسحاب
الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش.
وتقدم زوطر الغربية نموذجاً لهذه المعضلة. فعلى الرغم من دخول الجيش إليها ضمن الترتيبات التجريبية، بقيت عودة الأهالي محدودة بفعل استمرار الوجود الإسرائيلي في زوطر الشرقية، والتحركات العسكرية قرب المنازل والطرق.
وفي بعض المناطق، باتت المسافة بين مواقع الجيش والقوات الإسرائيلية لا تتجاوز عشرات الأمتار، فيما تستمر أعمال التجريف وإقامة السواتر الترابية. وتكشف هذه الوقائع أن انتشار الجيش لا يعني بالضرورة استعادة السيطرة الفعلية على الحياة المدنية.
وتشير قراءة للتطورات الميدانية إلى أن تدمير المنازل والبنى التحتية قد يؤدي عملياً إلى إنشاء حزام أمني خالٍ من السكان، حتى من دون احتلال مباشر لكل نقطة فيه. فإبقاء القرى غير صالحة للسكن يمنح إسرائيل قدرة على التحكم بالمنطقة من خلال القوة العسكرية ومنع إعادة الإعمار.
تامبا… مفاوضات لم توقف النار
لم تحقق محادثات تامبا في 20 و21 تشرين الأول اختراقاً ملموساً، وسط خلاف بشأن آليات التحقق من الترتيبات الأمنية. فبينما طُرحت صيغ للتنسيق العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، تمسك الجانب اللبناني بآلية تحقق ذات طابع دولي.
ويتجاوز الخلاف التفاصيل التقنية إلى مسألة جوهرية: من يحدد خلو المناطق من السلاح؟ وهل يرتبط الانسحاب الإسرائيلي بجدول زمني واضح، أم بتقديرات أمنية مفتوحة؟
وفي غياب اتفاق ملزم، قد تستمر المفاوضات والعمليات العسكرية بالتوازي، بما يسمح بتحويل الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم.
إيران والولايات المتحدة… حسابات التصعيد
لا يمكن فصل مستقبل الجنوب عن المواجهة الأميركية
الإيرانية. اذا تشير مصادر أمنية أن "حزب الله" يعمل على إعادة بناء جزء من قدراته العسكرية، رغم الخسائر التي تكبدها، استعداداً لاحتمال تجدد المواجهة.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن احتمال استخدام إسرائيل مؤشرات إعادة بناء القدرات لتبرير توسيع عملياتها، حتى في غياب هجوم جديد من لبنان.
في المقابل، تدخل واشنطن الأيام الأخيرة قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني، وسط استمرار المساعي الدبلوماسية المتعلقة بإيران. وقد تشكل الحسابات الانتخابية والاقتصادية عاملاً ضاغطاً باتجاه التسوية، لكنها لا توفر ضمانة ضد التصعيد.
أما
في إسرائيل، فإن النتائج الأولية للانتخابات، التي أعطت معسكر بنيامين نتنياهو 53 مقعداً مقابل 48 للمعارضة و19 للأحزاب العربية، لم تحسم شكل الحكومة المقبلة. ومع ذلك، لا يعني الغموض السياسي تجميد القرارات العسكرية، كما أن تشكيل حكومة مختلفة لا يضمن تغييراً فورياً في السياسة تجاه لبنان.
حرب واسعة أم استنزاف بلا نهاية؟
تتراوح الاحتمالات المقبلة بين استمرار القصف والتجريف والتحركات البرية المحدودة، وتوسيع العمليات في مناطق معينة، وصولاً إلى مواجهة إقليمية إذا انهارت المساعي الدبلوماسية مع إيران أو انخرط "حزب الله" في تصعيد جديد.
لكن الاحتمال الأكثر تعقيداً يتمثل في استمرار المفاوضات من دون تسوية، والعمليات العسكرية من دون حرب شاملة، وصولاً إلى تثبيت واقع حدودي جديد يقوم على احتلال جزئي، ومناطق خاضعة للسيطرة بالنار، وقرى تتعذر إعادة إعمارها.
وفي هذه الحالة، قد تتوقف محاولات توسيع المناطق التجريبية، وتتراجع فرص عودة السكان، فيما تتحول الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى ترتيبات طويلة الأمد.
ولن تحدد الانتخابات الإسرائيلية وحدها مستقبل الجنوب، كما أن موعد الانتخابات الأميركية ليس فاصلاً حاسماً بين الحرب والسلام. فالمسألة ترتبط بمدى استعداد واشنطن للضغط باتجاه تسوية، ونجاح الجهود الإقليمية في احتواء المواجهة مع إيران، وقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها ضمن ترتيبات تضمن الانسحاب ووقف الاعتداءات.
قد ينجو لبنان من حرب شاملة، لكنه لا ينجو بالضرورة من نتائج استنزاف طويل. فالسؤال لم يعد فقط متى تتوقف المدافع، بل أي جنوب سيبقى عندما تتوقف، ومن سيملك القدرة الفعلية على إعادة سكانه إليه.