بدأ السباق لتحديد ملامح المرحلة السياسية الأميركية بعد دونالد ترامب، عقب الهزيمة القاسية التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية، في نتيجة أعادت طرح الأسئلة حول مستقبل حركة "ماغا" ومدى قدرة الرئيس على مواصلة الإمساك بمفاصل الحزب.
وبحسب تقرير نشره موقع "Japan Forward"، فإن ارتفاع أسعار الوقود، نتيجة الضربات الأميركية على إيران، شكّل أحد أبرز أسباب تراجع الجمهوريين، بعدما زاد الأعباء على الأسر الأميركية وأثار غضب الناخبين. وأقرّ ترامب، في مقابلة مع وسائل إعلام أميركية، بأن الضربات كانت من العوامل التي ساهمت في خسارة حزبه.
ولم تقتصر أسباب التراجع على الملف الاقتصادي، إذ واجهت حملة تشديد إجراءات مكافحة الهجرة غير الشرعية، التي قادتها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، انتقادات متزايدة من بعض الناخبين، بينهم أميركيون من أصول لاتينية وجمهوريون معتدلون. ورغم استمرار تأييد شريحة من أنصار ترامب لتشديد تطبيق قوانين الهجرة، أبدى آخرون استياءهم من أساليب التنفيذ، فيما رأى منتقدون أن الخطاب المتشدد وسياسات الترحيل عمّقا الانقسامات السياسية والاجتماعية في البلاد.
وخلال الشهر الماضي، نظم ترامب نحو 30 تجمعاً انتخابياً بهدف حشد أنصار حركة "ماغا"، لكن النتائج أظهرت أن تركيز الحزب على قاعدته الأكثر تشدداً لم يكن كافياً، بل انعكس سلباً على فرصه الانتخابية. ففي سباقات مجلس الشيوخ، فاز الديمقراطيون بمقاعد في كانساس، المعقل الجمهوري في الغرب الأوسط، للمرة الأولى منذ 94 عاماً، وفي تكساس للمرة الأولى منذ 38 عاماً.
وكان ترامب قد حوّل الحزب الجمهوري، وفق التقرير، إلى ما يشبه "حزب ترامب"، بعدما همّش المعتدلين ودعم مرشحين موالين لحركة "ماغا" في مختلف أنحاء البلاد، إلا أن عدداً كبيراً منهم خسر الانتخابات. ومن شأن هذه النتائج أن تزيد الدعوات داخل الحزب إلى المحاسبة، وأن تضعف قبضة ترامب على صفوفه.
التركيز على الإرث السياسي
في موازاة ذلك، يطرح التقرير احتمال أن يتجه ترامب إلى التركيز على السياسة الخارجية خلال ما تبقى من ولايته. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الرؤساء الذين يفقدون السيطرة على الكونغرس يميلون إلى إعطاء الملفات الخارجية أولوية أكبر، فيما أن الدستور الأميركي يمنع ترامب من الترشح لولاية ثالثة، ما يعزز التكهنات بأنه سيسعى إلى ترك إرث سياسي يضمن له مكاناً في التاريخ.
وفي هذا السياق، قد يحاول ترامب تحقيق اختراقات دبلوماسية كبيرة، من بينها استئناف القمم الأميركية - الكورية الشمالية، أو التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب الروسية على أوكرانيا، علماً أنه لطالما سعى إلى نيل جائزة نوبل للسلام.
لكن تحركاته الخارجية سبق أن أثارت قلقاً دولياً، مع الضربات العسكرية الأميركية على فنزويلا وإيران، فضلاً عن التغييرات غير المتوقعة في سياساته الجمركية، التي أبقت الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في حالة ترقب.
وكان ترامب قد استخدم الرسوم الجمركية خلال ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021 لحماية الصناعات المحلية، إلا أن عودته إلى البيت الأبيض عام 2025 شهدت تصاعداً في الاعتراضات على هذه السياسة، حتى من قطاعات زراعية وقطاعات تربية المواشي التي تُعد تقليدياً من أبرز قواعد دعمه، إذ عارضتها مجموعات عاملة في هذه المجالات علناً، ووصل الأمر إلى إطلاق إعلانات ضدها بسبب تأثيرها على الصادرات.
وبعد عقد من هيمنة ترامب على الحزب الجمهوري، منذ فوزه الرئاسي الأول عام 2016، بات الحزب أمام مهمة رسم مسار جديد للمرحلة المقبلة، بعدما أظهرت نتائج الانتخابات أن الرهان على ترامب وحركة "ماغا" لم يعد يضمن تحقيق الانتصارات الانتخابية.