"أتمنى أن تكوني سعيدة في عملك الجديد، وأن تلتقي برجال وسيمين. استعجلي فالوقت يمر بسرعة!". تحذر خمسينية عازبة، صبية ثلاثينية عازبة أيضاً، في خضم الجدل الحاصل حول نسب العزوبة المرتفعة بين اللبنانيات.
فجّر الجدل "إنفوغرافيك" (رسم بياني) يرى البعض أنه لا يستند الى أي أسس علمية، نشره قبل أسابيع موقع تلفزيون "روسيا اليوم" نقلاً عن مقال، لا يقل ضبابية، نشر على موقع "هنا أمستردام" ـ إذاعة هولندا في العام ٢٠١٣. تحدث المقال عن نسب العزوبية في العالم العربي، وتصدر لبنان اللائحة بنسبة ٨٥ في المئة من النساء العازبات.
ومن غير تدقيق في صحة الخبر، سرعان ما تناقلته مواقع إلكترونية، وشاشات تلفزة مع تحويره وصبغه بجرعة من المفاهيم التقليدية، متحدثة عن نسب مثيرة للقلق لما أسموه "العنوسة" في لبنان، بغض النظر عن حقوقية استعمال التوصيف (العنوسة) أو نيله من النساء العازبات، وكذلك من دون ذكر الفئة العمرية للواتي شملهن.
يشكك أكاديميون في الرسم البياني وأرقامه. تقول الدكتورة ديما دبوس، أستاذة الإعلام، والرئيسة السابقة لمعهد دراسات المرأة في الجامعة اللبنانية الاميركية، إن الأرقام المنشورة لا تستند الى أي قاعدة علمية، كنوع العينة والمنهجية المعتمدة، لتصفها بـ "الإحصائيات الزائفة". وتسأل دبوس: "إذا تراوح عمر المشمولات بالعينة ما بين٢٠ وبين ٢٩ عاماً مثلاً، فهذا مؤشر إيجابي ويعني أن الفتيات اللبنانيات يتعلّمن، ويؤسسن حياتهن المهنية قبل الزواج".
غياب الدراسات والإحصائات
وترى دبوس أن ارتفاع سن الزواج لدى الفتيات في لبنان "أصبح حقيقة ملموسة نتيجة التحاقهن بالجامعات، ثم سوق العمل. وتشير إلى "نقص بالدراسات العلمية التي توثق تلك الظاهرة، بالإضافة الى العوامل المسببة لها".
وفعلاً، يعود تاريخ أحدث دراسة أجرتها وزارة الشؤون الاجتماعية عن سن الزواج لدى الذكور والإناث في لبنان الى العام ٢٠٠٧.
يومها تبين في الدراسة الوطنية للأحوال المعيشية للأسر أن تأخر سن الزواج وازدياد نسبة العزوبة لدى الجنسين، وخاصة الفئة العمرية (٢٠-٣٩ سنة) واحدة من سمات بات لبنان يتميّز بها في الأعوام الأخيرة.
أما في ما يتعلق بمتوسط العمر عند الزواج فهو ٣٢.٧ بالنسبة للذكور و٢٨.٩ بالنسبة للإناث، بحسب الدراسة نفسها.
عوامل اجتماعية، اقتصادية ونفسية
يرد المعالج النفسي والخبير في الصحة النفسية الدكتور مايكل خوري تأخر سن الزواج لدى اللبنانيات إلى عوامل سوسيوديمغرافية (اجتماعية سكانية) وأخرى نفسية، إضافة الى المتغيرات في الأدوار الجندرية، القائمة على أساس النوع الاجتماعي للفرد.
ويقول خوري إن من المؤكد أن نسب الهجرة العالية عند الذكور اللبنانيين أصابت التوازن الديموغرفي بالخلل، كما أن المرأة اللبنانية "لم تَعُد تقبل اليوم بأي رجل، إذ لم يعد العامل المادي ـ الذي كان في السابق أحد العوامل المؤدية للزواج ـ قائماً بالقوة نفسها". وبالنسبة لخوري "تبحث الفتاة اللبنانية عن شريك يحترمها ويهتم بالعائلة والأولاد ولن تقبل بشريك أناني ومتحجر، يعتبر أن بإمكانه التمتع بحياته على حسابها وحساب الأولاد". نحن نتحدّث هنا عن تغيّر المفاهيم تجاه الشريك والمطلوب منه.
كما أن فكرة العائلة برمّتها، وفق خوري، في "طور التبدّل، إذ كان تكوين العائلة في الماضي هو الهدف، بينما بات كثر يعتبرون اليوم أن بإمكان الشخص بلوغ السعادة من دون المرور بالزواج والإنجاب بالضرورة".
ولكن كيف تنظر بعض السيدات اللبنانيات إلى عزوبتهن؟
قوية جداً ... صادقة جداً
"لقد وصفوني بأن لساني لاذع جداً وبأنني صادقة جداً، وواثقة من نفسي جداً، وصوتي عالٍ جداً، وعاطفية جداً، وجريئة جداً وقوية جداً، وسمينة جداً، وعنيدة للغاية، وحنونة جداً ولطيفة جداً... ويزعمون أنني غير متزوجة لكل هذه الأسباب". تقول اللبنانية ميسان الليسي السطوحي (٣٤ سنة) وهي استاذة محاضرة في جامعة الشارقة.
تعتبر سطوحي أن بعض المتزوجين يعتقدون أن النساء العازبات هنّ "مثيرات للشفقة، بينما ينظر بعض آخر الى حياتنا ويتمنّون أن يتمتعوا بالحرية التي نتمتع بها". وتضيف "بعض الرجال يعتقدون أننا غير مرغوبات من قبل أي شخص، وهذا هو السبب في أننا عازبات، هم لا يدرون أننا مرغوبات من كثيرين، ولكنهم لا يتمتعون بالمواصفات التي نبحث عنها".
ترى سطوحي أن المرأة في لبنان اليوم أكثر قدرة على التخلي عن الأدوار التقليدية للأنثى (زوجة وأم) كأولوية وضرورة، "باتت تركز على تطورها الأكاديمي والمهني".
وتقول إن الكثير من الرجال "يجاهرون بتفضيلهم للنساء المستقلات والناجحات إلا أنهم سيواعدون هذه العينة من المتحررات، ولكنهم لن يتزوّجوا إلا المحافظات عندما يقررون الارتباط الجدي". وتشير سطوحي التي فقدت والدها منذ أسابيع، أنها تشعر بالاستياء من وضعها كعازبة الى أن تلتقي بثنائي غير سعيد، يتشاجران باستمرار، او بزوجين لا يستطيعان التعامل مع أطفالهما، او بزوج أو زوجة يخون أحدهما الآخر.
أريد ولداً
أما رنا تابت، فتتحضر للزواج من رجل مطلّق يكبرها بخمس عشرة سنة ولديه ثلاثة اولاد في سن المراهقة من زواجه السابق. تعترف رنا، الشابة السمراء الأنيقة التي تعمل في إحدى كبرى المنظمات الدولية، ان هذا الزواج ليس الذي كانت تتمناه «لكنني شارفت على الأربعين من العمر ولا أريد أن أبقى وحيدة، كما أنني أرغب بإنجاب ولو طفل وحيد».
مارست عائلة تابت ومحيطها "أشنع أنواع الضغوط" لحثها على الزواج "اصبحت كل الأحاديث تتمحور حول مسألة ارتباطي، والجميع يريد أن يعرفني على عريس محتمل". تعتبر تابت، التي عملت لسنوات طويلة في أوروبا، أن الجمال والمستوى العلمي والثقافي والغنى والفقر ليست المعايير التي تحدّد ما إذا كانت الفتاة ستتزوّج أم لا.
وفي حين كانت تتقبّل عزوبتها قبل بلوغها سن الأربعين، أصبح هاجس الوحدة يراودها أكثر فأكثر مع التقدم في العمر، وصار وضعها يزعجها "أنا الآن لا أبحث عن زوج بالمعنى التقليدي، بل بشريك لي يؤنس أحدنا الآخر ويساعدني على تحمّل قسوة الناس والحياة أحياناً".
لسنا تعيسات
ترفض ماريا عبدالرحمن (٣٢ سنة) إجراء المقابلة إذا كان التقرير سيصور العازبات على انهن تعيسات.
المديرة الإقليمية للمنظمة غير الحكومية "هارتلاند ألاينس" كانت شاهدة على "حفلة الجنون" التي اجتاحت الإعلام والتهويل حول ما سمي بنسب "العنوسة القياسية"، ولكنها لم تشأ ان تشارك فيها كي لا تكون طرفاً في جدال "عقيم ومتخلف". "من سألوا؟" تقول عبدالرحمن وتسأل ايضا لماذا لا نتكلم عن نسب الطلاق المتزايدة لأن الفتاة منا يفترض ان تتزوج اول شخص تلتقي بهط.
عن الضغوط التي تمارس على الفتيات العازبات تقول عبدالرحمن أن المجتمع والأصدقاء سيتوقفون عن "النق" عندما "يرونني ايجابية وسعيدة ولست بالتعاسة التي يتصورونها".
عبدالرحمن التي تعترف أنها تضطر احيانا لأن تخفي رتبتها في العمل في بداية العلاقة كي لا تقلق الطرف الآخر، تنتقد العقلية السائدة عند بعض العائلات اللبنانية الذين يعلمون بناتهن ليس بهدف تمكينهن وإكسابهن الاستقلالية، بل بهدف أن تكبر قيمتهن لدى العريس. وحيث أن عبدالرحمن تتجنب التصنيفات مثل "عازبة" و "عازبة مستعدة للتعرف" و "عازبة رافضة لفكرة الزواج"، تبقي خياراتها مفتوحة ومن ضمنها الزواج إذا التقت بالشخص الذي يقنعها. "مشاركة الحياة مع شخص نحبه شيء رائع لكنه ليس الهدف الأوحد".
تحية للعازبات
كتبت الاستاذة في الجامعة الاميركية في بيروت ياسمينا نجار كتاباً ساخرا بالانكليزية سمته "بيروت نايتس" (فرسان بيروت) وتشارك بانتظام في منتدى "تيد" في بيروت لتحاضر عن حياة العزوبية كتحية منها الى النساء العازبات اللواتي تمردن على فكرة الزواج من أجل الزواج. "هي طريقتي للقول اوقفوا النظرة السلبية للعازبين".
نجار (٣٦ سنة) المستمتعة بعزوبيتها على حد قولها، تشير الى ان الضغوط التي تمارس على النساء العازبات حقيقية ومحبطة.
تصف نجار المجتمع بـ "القاسي الذي لا يرحم". وفي حين ان عائلة الكاتبة واصدقاءها المقربين يقفون بجانبها ولا يحكمون على قرارها بالبقاء عزباء الى ان تلتقي بالشريك المناسب لها، تتحدث نجار باسهاب عن التعليقات المؤلمة التي توجه للعازبات.
"ينظر الينا ككائنات تعيسة وغير مكتملات وكثيراً ما اسمع تعليقات مثل: كيف يمكن لجميلة مثلك أن تكون وحيدة؟! تقول نجار إن المجتمع يدفع النساء العازبات إلى التخلي عن الخصائص والمعايير التي وضعناها كشروط لأي ارتباط، فيقال لهن مثلا: "فقط تزوجي. لا يهم إذا كنت تحبين الرجل ام لا. تزوجي لأن الوقت يمر بسرعة ويجب الزواج في اسرع وقت ممكن فبل آن تتعفن المبايض"!
أما عن شعور الوحدة الذي يزعم المجتمع انه يتهدد النساء العازبات، فتعتبر نجار ان الوحدة حالة لا علاقة لها بالزواج أو بالعزوبية.
"يمكن ان تكوني في مكان مليء بخمسين شخصا وتشعري بالوحدة، ويمكن ان تكون وحيدا تقرأ كتابا وتشعر بأنك بصحبة جميلة جداً".
لا وقت للتعارف
تقول صولانج سريح، مؤسسة وكالة الزواج "Pomme d’amour" (تفاحة الحب) التي ساهمت في
تزويج ثمانين ثنائياً منذ العام ٢٠٠٧ أن "معظم زبائنها من النساء متعلمات وناجحات جدا في مهنهن، لكنهن لا يملكن الوقت
للتعارف". ولاحظت أن معظم زبائنها من النساء يبحثن عن الثقة والأمان في الشريك. "هن لا يبحثن عن رجال أغنياء، ولكن عن
شركاء حقيقيين، عن رجال قادرين على تحمل مسؤولية تكوين عائلة".
أما زبائن "تفاحة الحب" من الذكور، فغالبيتهم من المغتربين الذبن يبحثون عن نصفهم الآخر في بلدهم الأم.
وتضيف سريح أنها افتتحت وكالتها في الاساس لتزويج المسنين، ولكنها سرعان ما اكتشفت ان أبناء الفئة العمرية الممتدة من ٢٥ الى ٤٠ سنة في لبنان كانوا الأكثر إقداماً على طلب خدماتها.
مصطلح "ذكوري"
ما معنى مصطلح "عانس" ولمذا ما زالت هذه الكلمة المشبعة بالتمييز قيد التداول؟
بحسب معجم لسان العرب، العانس هي كل من "طال مكثها في منزل أهلها بعد إدراكها حتى خرجت من عداد الابكار".
يرى الأخصائي في علم الاجتماع العيادي الدكتور رائد محسن ان الأصول اللغوية للكلمة "ليست سلبية"، ولكن المجتمع صبغها بوصمة منفرّة، شارحا ان متغيرات أساسية طرأت على حياة النساء، ما افقد الكلمة جزءا من عدوانيتها.
تعترض الدكتورة ديما دبوس على استعمال "عانس"، واصفة اياه بالمصطلح الذكوري المحض، وغير الموضوعي، وتسأل عمن يقرر العمر الذي تعتبر فيه المرأة صالحة او غير صالحة للزواج. وترى أن التعبير متصل بافكار ذكورية تعتبر ان "شرف العائلة لا يحمى وان الفتاة لن تنضّب إلاّ اذا تزوجت".
(ميريللا صالح - السفير )