ليس جديداً على اللبنانيين حياة "أليس" وارضها المليئة بالغرائب والعجائب، اذ انهم في هذا البلد الاستثنائي، يعايشون المفاجآت اليومية والتغييرات المبهمة والانقلابات وسحر الارانب"، بدءاً من ملف "الزبالة" وصولاً الى القضايا السياسية الكبرى.
منذ شغور كرسي الرئاسة الاولى في أيار 2014 وبعد اعتيادهم المريب على الفراغ، انشغل اللبنانيون في "حدائقهم" وقطف الياسمين والوخز بالشوك. وتماماً مثلما حصل مع الصغيرة "اليس"، سقطوا في الحفرة التي تؤدي الى القاعة الكبيرة وفيها انفاق ودهاليز. استجدّ ذلك لحظة ترشيح تيار المستقبل للخصم "البيك" سليمان فرنجية. سرعان ما ردّ "الحكيم" سمير جعجع بترشيح "الجنرال" ميشال عون لمنصب رئاسة الجمهورية اللبنانية، ودخل الشعب رسمياً الى بلاد العجائب. هنا حيث تتغيّر الاحجام والادوار، وتفعل قبعات السحر فعلها فيغدو "عدو" الامس من أهل البيت، ويصبح الحليف خصماً مع وقف التنفيذ!
هذه "الانقلابات" السياسية تلقفها الرأي العام اللبناني، كلّ بحسب قناعاته ومفهومه للسياسة وتحيّزه الحزبي وحساباته وهواجسه واحلامه. ففيما سارع البعض الى اجراء العمليات الحسابية و"البوينتاجات" لمعرفة نسب الاصوات التي سيحصل عليها كل من المرشحين، كانت جماهير الاحزاب "تحرق البخور" امام قرارات قياداتها ومواقفها المستجدة. دافع القواتيون عن خطوة "حكيمهم" الجريئة، فهو "حيث لا يجرؤ الآخرون" يقف متعالياً على أي مصالح وحسابات ضيقة من اجل الجمهورية والموقع المسيحي الاول فيها. كذلك فعل "العونيون" الذين باتوا لا يتلفظون باسم جعجع الا مسبوقاً بالـ"دكتور"، فاعتبروا ان "زلزال معراب" لم يفتح آفاقاً مشرقة في جدار الفراغ الرئاسي وحسب، انما ايضاً طوى صفحة القبور واعاد الى المسيحيين دورا بقي مهشما ومهمشا لسنوات..."والخير لقدام"!
لا تختلف الحال بالنسبة الى جمهوري المستقبل والمردة، "فالبيك" هو الاحق بكرسي الرئاسة الاولى و"الشيخ" بالثانية! وفيما جهد "الكتائبيون" في بلع الامتعاض بانتظار موقف الحزب الرسمي، جاء كلام النائب (ورئيس الحزب) سامي الجميّل ليحسم الامر بطريقة ذكية: لا يعنينا شخص الرئيس بقدر مشروعه. لا نصوّت لرئيس يحمل مشروع 8 آذار لكننا سنحضر الجلسة احتراماً للدستور!
موقف الجميّل اثار حفيظة القواتيين والعونيين على حدّ سواء، لكن اكثر ما فاجأ جمهور حزب "الله الوطن العائلة"، بحسب تعليق احدهم على "فيسبوك" هو موقف القوات اذ سأل:" فلتوا ع سامي الجميل لأنو واقف بوج مشروع 8 آذار، حزب الله والممانعة ؟لا أصدق ولن أستنتج أن القوات أصبحت 8 آذار"!
ووسط كل هذه الاصطفافات وزحمة المواقف المؤيدة والمدافعة والمعارضة، ثمة من اشتمّ رائحة "طبخة المخلوطة"، فعصي عليه استيعاب ما يحصل. نشر احدهم ما يلي :"عون مع الحزب ، الحزب حليف فرنجية، فرنجية مرشح الحريري، فرنجية حليف الحزب، الحزب ضد جعجع، جعجع رشح عون، جعجع ضد فرنجية، فرنجية مع عون، جعجع حليف الحريري، الحريري ضد الحزب...انا مين؟!"
وفيما لجأ آخرون من مواطنين واهل القلم الى متابعة ما يجري وتحليله على ميزان الربح والخسارة (وفق السياسة الداخلية)، ثمة من وضع هذه المستجدات في نطاق المناورات الخبيثة التي لن تلد الا مزيداً من الفراغ. ولعل هؤلاء ادركوا انهم "اليس" التي تنبهت في النهاية الى ان كل المخلوقات المتحركة ليست الا اوراق لعب جمعتها في جيبها حين اكتشفت الحقيقة. وخلص البعض الى ان قصر بعبدا لن يُفتح الا بأوامر خارجية مهما حاول افرقاء الداخل حل هذه الازمة بنيّة صافية او بدهاء!
وسط كل هذه الفوضى، اطلّ الاعلامي مارسيل غانم ليتلو مقدمة نارية في بداية حلقة "كلام الناس"، حيث نعت الشعب بالـ "غنم". المفارقة ان الرأي العام اللبناني الذي وصل الى حدّ الاعتراف "بخطاياه" وابرزها "التحزب" الاعمى، ولا سيّما ابان "ثورة" الحراك المدني، عاد الى عادته، رافضاً توصيف غانم، مقدماً لنفسه وحزبه صكّ براءة ومتهما الفريق الآخر بالتبعية والارتهان.
واذا كانت مقدمة غانم لم ترق لكثيرين ممن اتهموه بفتح منبره لاهل السلطة والمساهمة في اجهاض الاصوات التي تجرأت ذات يوم على الصراخ رفضاً لكل الواقع المأساوي الراهن، فان مضمونها لا يختلف عن "رائعة" الاختين نويل وميشيل كسرواني بعنوان "زفتلي الطريق"!
المفارقة ان من رفع شعار "نحن مش غنم" وقاطع مقدمة غانم ودافع عن نفسه وكرامته وتصرفاته ومواقفه وحزبه، ردد مع الشقيقتين "فوّتني بديون، جبرني إرهن البيت دمّرلي مستقبلي وفوّتني بالحيط قرّفني حياتي وقرّفني السياسة وعدني ونِساني ونسّاني إنه نساني... بس بعدني بحبّه مع كلّ هالمشاكل، لأن بالمقابل زفّتلي الطريق... وبالانتخابات وزّع ببلاش كاسكيت حلوة ملوّنة مع قنّينة مي"!
هل أعظم من هذه الفوضى ومن بلاد العجائب والغرائب هذي؟!