لا أذيع سراً إذا قلت لكم أن الإنسان لم يقتصر بمشاعره على كل ذي روح فقط، بل ارتبط عاطفياً حتى بالجمادات. فها هي مساكننا؛ كم نُسَرونحن نراها تتصاعد أمامنا وكم نعتني بها ونُجملها بأشكال عدة من هويتنا، و"نُشَخْصنها" ونلونها بذكرياتنا تماماً كما يفعل الرسام مع لوحته. فالعمارة فن، والعاطفة تتداخل معه مما يُسفر عن لوحات تُرسم على أرض الوطن. يقول المهندس المعماري نورمان فوستر: "المَبنى يُصمم تبعا لموقعه والمناخ السائد، فالمعماري يُضيف الى الطبيعة ما يتناسب معها، كأنه ينبع منها، وليس شاذاً مشوِّها لها". أما العمارة عندنا فهي غالباً ما تأتي على حساب كل المعايير الجمالية، البيئية، الصحية والثقافية.. حتى أنها تأتي فوق مفهموم الحداثة، فالتطور لا يعني بالضرورة مجرد تكثيف المباني والتطاول فيها. بإختصار، العمارة اللبنانية إجمالاً هي مجرد "حَشْك للنفوس والفلوس".
فلو عدنا إلى منتصف الثمانينات وعلى الرغم من وجود أبنية عصرية، إلا أننا كنا نقوم بالإحماء بالكرة على أرصفة عريضة ريثما صديقنا ينزل لنودع معه حدائق الأبنية العتيقة العابقة بالياسمين، وتستقبلنا روائح دبق الصنوبر على التراب. نعم، في أيامنا هذه ربحنا المزيد من الشقق ولكننا خسرنا الكثير من "الشقوق"؛ تلك التي كان يأتينا منها الهواء النظيف ويأتي منها أولادنا متسخين ولكنهم مفعمين بالصحة. لقد سلَّمنا حدائقنا واستسلمنا إلى شرفات ضيقة عليها "فخارات" بلاستيك مزروعة بشتل اصطناعي، وودعنا هديل اليمام البني على مناشر الغسيل وما عدنا نسمع إلا الـ"Angry birds" وما ذاك إلا لشدة التلاصق وهشاشة البناء حتى أنك لتخال نفسك وجارك "عائلتين في بيت واحد". في تلك الفترة كثيراً ما كنا نميز المباني عن بُعد بسبب هندستها الخاصة بها، أما اليوم فهي أقرب ما تكون إلى أحجار الدومينو متشابهة و"مدكوكة دك".
الكثير منا يمشي في أحياء العاصمة وفي أماكن نشأته مشية الفاقد للذاكرة لأن روائح الحنين تلاشت في زحمة الأبنية الفاقدة للهوية، وهي من جملة المرارات التي نضيفها على لائحة المفقودات في هذا البلد. الأمر لا يعني المدينة فقط، فحتى القُرى باتت تنقلب إلى مدن هشة وصارت تفقد تدريجياً طابعها التراثي! وعلى ما يبدو فإن الأمور إذا ما استمرت على هذا النحو وبقيت مساحاتنا القليلة المتبقية ترزح تحت قصف الباطون العشوائي فإنه لن يعود هناك من تراب وطن نتغنى بحَبَّاته!
المحفز الأساسي لكتابتي هذا المقال هو مروري أمام إحدى تلك اللوحات البنية التي تبشرنا بأننا في "حي ذات طابع تراثي". لقد كان الأمر صادماً، فجَعلت أنظر أمامي وخلفي وأتلفت عن يميني وشمالي لكي أجد شيئا تراثيا واحداً فلم أجد! لا حجر ولا شجر.. لا شيئ بالمرة! ولا حتى لوحة إعلانية "لمحل سمانة" يدل صدأها على ذلك! لا أدري ماذا أقول! ربما فاتني الانتباه إلى أن الشيء التراثي الوحيد في المنطقة كلها كان هو اللوحة نفسها! لكنها أضحت بحاجة إلى لوحة أخرى بجانبها تشير إليها وتقول: "هذه اللوحة ذات طابع تراثي". لا أريد أن أبدو كمن يُغرد خارج السرب في ظل كل ما نمر به من نَكبات وأزمة "مَكبَّات"، أو كمن يَطرح ملفا غاية في "الأنتيكا" بزمن "العفشيكا" السياسية الذي نعيش فيه. فنحن لا نريد منهم بناء هرم خوفو أو حتى إضافة عجيبة ثامنة على عجائب الدنيا السبع، ولسنا ضد التغيير. ببساطة جُل ما نريده هو تنظيم البناء و"تطعيم" الحداثة بشيئ من التراث والحفاظ على ما تبقى من قرميد أحمر هنا وشباك خشبي أخضر هناك وحيط أصفر يرشح عراقة عند سقوط المطر. فهذه المعالم هي كالبصمة وخصوصاً في البلدان التي تُعتبر سياحية، ولو بحثنا لوجدنا أن أغلب مدن الدنيا لها طابع معماري يميزها عن غيرها وبعضها لا يحتاج إلى ميزانية ضخمة؛ على غرار ما فعلته البرازيل - الهزيلة اقتصادياً- ببعض الأحياء الشعبية الفقيرة في ريو دي جانيرو حيث حولتها إلى مهرجان ألوان وبرواز فني مبهج للأنظار!
على كل حال، ملف كهذا حتى وإن طرح على طاولة اجتماعاتهم فإني أشك أن يلقى إجماعهم.. من يدري فلربما سنراهم يختلفون على الطابع هل سيكون فينيقي أم فارسي.. شرقي أم غربي!؟
الأمر محسوم! ونحن نصرخ ألماً لا استنجاداً! فمن كان عاجزاً عن لَمِّ أكياس النايلون، لن يُنقذ تراثنا وذكرياتنا من الطمر!!!
(جمال عيساوي)