لم تكن زيارة الرئيس سعد الحريري الى البقاع وتناوله الغذاء على مائدة ميريام سكاف مفاجئة الى اهالي زحلة، وخاصة بعد التطور الملحوظ الذي شهدته العلاقة بين الخصمين الماضيين منذ أن وطأت قدماه ارض لبنان عشية الذكرى الحادية عشرة لاغتيال والده في البيال. فوجود ميريام في الصفوف الامامية للمشاركين في هذه الذكرى، وما سبقها من إحاطة سياسية واضحة من "التيار الأزرق" في مراسم دفن زوجها في تشرين اول الفائت، إن كان بحجم التمثيل في الجنازة، وايعازه بتنظيم الاستقبالات الشعبية لجثمان الراحل في ال "الزونات الزرقاء" وتحديداً في سعدنايل وتعلبايا.
هذا التقارب الواضح بين الطرفين كان قد سبقه ايضاً وقوف تيار "المستقبل" الى جانب الكتلة الشعبية في معركتها ضد "معمل فتوش للاسمنت"، والذي كان يوفد حينها الى الراحل "ايلي بيك" النائب عاصم عراجي.
التحالفات السابقة لقوى الرابع عشر من آذار لم تمكنه من الافلات من تحت جناحي التزاماته، وكانت بمثابة العائق امام تظهير هذا التقارب، الى حين ظهورمعركة المرشحين لرئاسة الجمهورية الى العلن، وبدأت حملات الترشيح والترشيح المضاد، فخرجت الامور عن مسارها.
وبحسب اوساط الكتلة الشعبية فإن اللقاء على مائدة الغذاء كان قد تقرر قبل ثلاثة ايام، ومع تأكيد الرئيس الحريري للسيدة سكاف بضرورة الحضور خلال زيارتها له في بيت الوسط، بدأت التحضيرات الميدانية على الارض، وسط تكتم شديد حول محطات الزيارة، وان كانت ستشمل اي بلدات من خارج البقاع الاوسط.
في سعدنايل، كانت محطة الحريري الاولى، حيث ادى صلاة الجمعة في مسجد الامام علي بن ابي طالب، وكان في استقباله حشد كبير من المواطنين والمصلّين، وسط اجراءات امنية مشددة، وهم رحبّوا به بحرارة ونثروا على موكبه الارز والورود، وحرص على التقاط صور "السلفي" مع عدد كبير منهم، ثمّ ادّى الصلاة التي أمّها مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس بمشاركة النائب عاصم عراجي والسيد نادر الحريري ومنسق تيار "المستقبل" في البقاع ايوب قزعون وحشد من العلماء ووجهاء المنطقة والمصلين. مناصرو الحريري كانوا في انتظاره خارجا، وما ان طل حتى تهافتوا لالتقاط الصور معه.
وعلى رغم الرسائل السياسية الواضحة الدلالات في زيارة الحريري الى آل سكاف، الا انه بدا متيقظاً من عدم قطع خيط التواصل مع أي من الحلفاء، فعرّج وهو في طريقه الى فندق القادري الى دارة النائب ايلي ماروني، الذي وبحسب الاخير اسماه منزل شقيقه "نصري"، وذلك للتذكير بحجم الخلاف المستشري بين آل الماروني والكتلة الشعبية والتي يحملها مسؤولية مقتل شقيقه واخفائها الفاعلين وتأمين الحماية لهم.
زيارة الحريري الى بيت الماروني، والتي لم تكن مقررة ضمن جدول اعمال الزيارة، فرملت من حجم التكهنات الفائضة حول امكانية دفع الحريري الى فرط تحالفاته السابقة في الانتخابات النيابية المقبلة او استعداده لامكانية اعادة خلط الاوراق من جديد. وما زاد ذلك تأكيدا أن اياً من الطرفين تطرق الى الانتخابات النيابية خلال الكلمتين اللتين القيتا في حفل الغذاء، بل كان الاستحقاقان الرئاسي والبلدي محور الحدث.
كلمة الحريري خلال مأدبة الغذاء واعترافه بندمه عن العلاقات التي كانت سائدة بين الطرفين اظهرت مدى نضوج العلاقة بين الكتلة الشعبية و"المستقبل" خصوصا عندما قال:" عندما تسلمت الأمور السياسية في العام 2005، لم أكن أعرف ما أعرفه اليوم، ولو كانت لدي هذه المعرفة، لما كنا اختلفنا لا بالسياسة ولا بأي مكان آخر، ولكن الله يسامح من أخلفنا"، وذلك في اشارة منه الى المعركتين النيابيتين التي خاضها تيار "المستقبل" ضد الكتلة الشعبية، مسقطاً حينها رئيسها السابق الراحل ايلي سكاف من خلال تحالفه في إنتخابات سنة 2009 مع "القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" والوزير نقولا فتوش.
في المقابل، كان رد السيدة سكاف واضحا لجهة ضرورة اجراء الانتخابات البلدية، والتي بدأت فعليا بالتحضر لها تحت شعار "الوفاء لايلي سكاف"، وهي تبدي الإستعداد للتعاون مع كل الأطراف السياسية، باستثناء بعض الاطراف الذين لو سمح لهم لكانوا غيروا وجه المدينة بالتلوث والامراض، غامزة من قناة من كان السبب في نجاحهم للوصول الى المبنى البرلماني.
ومبدية التعاون الجدي مع كل مخلص لديه النية الفعلية بالنهوض بمدينة زحلة وليس بمصلحته الخاصة.