إنه "التشليف الفايسبوكي". قبل أيام، عَمد ناشط على مواقع التواصل الإجتماعي إلى نشر صورة طالبة "تمريض" في اليسوعية علّقت عليها بإستهزاء: "سنقتل أولادكم يوماً ما". عظّم الناشط، العاطل عن أي نضال حقيقي، تعليق الطالبة، مُظهراً إياه مشكلةً نفسية وعقلية لدى الفتاة سيُهدد النسل البشري. اللغط والأخذ والرد الحاصل حول صورة الفتاة وتعليقها، أحرج الجامعة على ما يبدو، التي سارعت إلى طرد الفتاة للحفاظ على سُمعة مفترضة.
خلق الناشط قضية، وناضل من أجلها إفتراضياً، معتمداً "التشليف" الإفتراضي. التشهير هنا، أنهى مستقبل طالبة جامعية.
قبل فترة، "هاج" بعض النشطاء، "العلمانيين" على رجال الدين أصحاب الحسابات على موقع "فايسبوك"، أعادوا نشر كتاباتهم على الموقع، وأرفقوها بعباراة السخرية والإسهزاء والإنتقاد الشخصي غير المبرر. ليس مهماً هنا، نوع "الفكر" الذي نشره بعض رجال الدين، إن كان حضارياً تطويرياً، أم رجعياً، بل المهم هو أن مفتعلي الضجيج الإفتراضي لا يُناقشون فكراً، ولا يُقدمون حجة، بل يجتذبون إهتماماً عبر الشتم والتشهير بالبشر.
"فايسبوك" أساساً مساحة تعبير شعبوية، لا تقترب من النخبوية بشيء، بل وأكثر، فرض "فايسبوك" ورفاقه من المواقع على النخبويين النزول عن عرشهم وتعاطي مع كل صديق إفتراضي الند للند.
لكن مساحة التعبير هذه المرة يجب ألا تشمل، الشتم والإستهزاء والتسخيف والتناول الشخصي في حال لم يكن النقاش يطال الفكرة، التي يحق لأي كان إنتقادها مهما كانت.
"التشليف" الفايسبوكي يقوده أيضاً "النسويات" اللواتي أطلقن حملة فضح المتحرشين. وهي حملة محقة رادعة مبدئياً، تدعو إلى نشر صورة المُتحرّش والتشهير به. لكن الحملة التي ترافقت مع موجة "تشليف" وتخوين، وتحقير كل من إنتقدها، تفتقد إلى الكثير من الضوابط، إذ إنه من السهل على أي فتاة نشر صورة شاب في الطريق وإتهامه بالتحرش، مما سيُرتب عليه عواقب لا تحصى. (ملاحظة: سيكون الأمر مماثلاً في حال قام الشاب بنشر صورة أي فتاة وإتهامها بالتحرش).
"التشليف" الفايسبوكي مستمر، لا يردعه أحد، أو قانون، بل هو ممارسة ناعمة للقمع في الفضاء الإفتراضي، يحصل أصحابه على إهتمام يحتاجونه (ربما)، أو على قيمة مضافة في حياتهم الفارغة من أي قضية يُناضلون لأجلها.