"لبنان أكثر من وطن انه رسالة" هكذا وصف البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني لبنان في إرشاده الرسولي منطلقا من رؤيوية ثاقبة للخصوصية اللبنانية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وتجلت هذه الخصوصية عام 2010 حين أقر مجلس الوزراء اعتماد عيد بشارة مريم عيداً رسمياً مسيحياً وإسلامياً جامعاً لكل اللبنانيين حيث تعطل فيه الادارات الرسمية والعامة والمدارس الرسمية والخاصة في 25 آذار من كل عام.
لطالما شكلت مريم العذراء موضع تكريم وابتهال عند المسيحيين والاسلام، وببركتها وحّدت قلوب اللبنانيين ولو ليوم واحد، متجاوزين تحديات وضغوطات مملّة.
عيد البشارة هو عيد لقاء الله مع الإنسان وأول الأعياد في الديانة المسيحية من حيث الترتيب، لذلك يسميه الآباء "رأس الأعياد" والبعض يسميه "نبع الأعياد" أو "أصل الأعياد". عنوان هذا العيد يشرح معناه، فهو عيد موضوع بشارة السيدة العذراء الكلمة المتجسّد سيّدنا يسوع المسيح. وهو عيد مريم الممتلئة نعمة، التي قبلت بشارة السماء، وقالت "نعم فليكن لي حسب قولك".
عيد البشارة يوم خاص للمسلمين أيضاً، لما للسيدة مريم من مقام رفيع لديهم، وتوجد سورة كاملة في القرآن الكريم باسم سورة مريم تذكر فيها حادثة البشارة.
يلتقي الإسلام والمسيحية في حدث البشارة لمريم عند ظهور الملاك جبرائيل عليها وتبشيرها بحبلها بالمسيح. الرواية ذكرها القديس لوقا في الإنجيل (1: 26-37)، وفي القرآن الكريم، سورة آل عمران (44-48)، مع بعض الفوارق على مستوى الوحي الالهي. ففي سورة آل عمران 44، وردت الآية الآتية "اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح، عيسى ابن يا مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين"، الآية نفسها مع بعض الفوارق ذكرها الانجيلي لوقا1: 26-33 في انجيله "اُرسل جبرائيل الملاك من لدن الله... الى عذراء مخطوبة على رجل اسمه يوسف... وقال لها: السلام لك يا ممتلئة نعمة، الرب معك... لقد وجدتِ نعمة عند الله، فها انتِ تقبلين حبلاً وتلدين ابناً. وتدعين اسمه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب الى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء". وفي مثال مشترك آخر ورد في سورة آل عمران، 46 الآية "قالت: ربِّ أنّى يكون لي ولد، ولم يمسّني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء، اذا قضى امراً فانما يقول له كن فيكون". الآية نفسها ذكرها لوقا 1: 34-35، 37 في انجيله "قالت مريم للملاك: كيف يكون هذا، وانا لا اعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يأتي، وقوّة العلي تحلّ عليكِ، لذلك فالمولود منك قدوس، وابن الله يُدعى... لانه ليس عند الله امر عسير".
لعلّ في تلاقي المسيحية والاسلام ومكانة مريم في آيات إلانجيل والقرآن ما يجعل من هذا الحدث مناسبة مشتركة موحدة وإشارة ايجابية لناحية تقبل الآخر. ويأتي عيد البشارة تجسيداً لما يجمع اللبنانيين من تطلُّع روحي متأصّل في نفوسهم ووجدانهم ومجموعة القيم الانسانية والروحية البديهية التي تشدّ هم الى بعضهم البعض. ولا شكّ، في أن هذا العيد يرسّخ المفاهيم الدينية بين اللبنانيين الذي يشكل العيش المشترك أحد أبرز ثوابت هويتهم.
نعم قربت مريم الديانتين، واستطاعت أن تحقق وحدة وطنية "رمزية" بين اللبنانيين الذين تشرذموا بسبب الحروب الداخلية والخارجية والمصالح السياسية، لتشكل جسر عبور في اتجاه توحّدهم.
لكن توحيد العيد والفرص الرسمية ليس كافياً لأن التقارب يجب أن يتّم على أرض الواقع وتكون المناسبة هذه إحدى المداخل الحقيقية اليه عبر نظرة كل لبناني للآخر واقتناعه بأن هذا الوطن لا يقوم الا بمشروع مشترك يجمع كل اللبنانيين.
(جويل تامر - خاص "لبنان 24")
بشاره شبل سلامه
18/08/2026 22:29:33
18/08/2026 22:29:33
Lebanon 24
Lebanon 24